«أترضاه لنفسك؟»
يقوم التفكير الموضوعي المتزن على ثلاث ركائز لا غنى عنها: التجرد الصادق عن الهوى، والتثبت والترفع عن الظنون والشبهات، والتحرر الواعي من ضغوط البيئة والمؤثرات الخارجية التي تصوغ قناعاتنا دون أن نشعر.
لكن المحك الحقيقي لهذه الركائز لا يظهر في التنظير الفكري البارد، بل حين تتعارض الحقيقة مع مصالحنا ورغباتنا المباشرة؛ ومن أبلغ شواهد التجرد ما رُوي عن رجلٍ من السلف خرج لبيع حماره، فدنا منه مشترٍ وسأله بفضول: «أترضاه لنفسك؟»، فأجابه بصدقٍ صادم: «لو كنتُ أرضاه لنفسي ما بعتُه».
لم تُعمه الرغبة في الربح، ولم تدفعه المنفعة لتزييف الواقع وتجميل العيب.
إن أيسر ما يفعله المرء هو مطالبة الآخرين بالإنصاف والموضوعية، فكلنا نحب أن يُحكم لنا بالعدل، لكن البطولة الحقيقية تبدأ حين نلزم أنفسنا بهذا المعيار القاسي في خصوماتنا، وتقييمنا لأفكارنا، وقبولنا للحق حتى وإن جاء على ألسنة من نخالفهم.
فالموضوعية ليست شعاراً أخلاقياً نطالب به العالم، ولا ميزاناً نزن به عيوب غيرنا، بل هي منهج حياة وقيد شرف نُلزم به ذواتنا أولاً.
#ثقافة
#مجتمع
@المتابعون

35