في حينا مجنونة
أشعلت شمعةً في منتصف صحن الحناء الذي يفصل بيننا، ثم راحت تضع قطراتٍ من زيتٍ قديم نتن الرائحة، وهي تحدّق بي بعينين غائرتين .
و الشمعة تضفي على وجهها ضوءًا أصفر باهتًا، يجعلها أشبه ما تكون بزهرة تبّاع الشمس.
فمنذ أن أغلقت بابها في وجه الزوّار، في ذاك المساء، وهي تسبّهم وتلعنهم واحدًا تلو الآخر.
حتى نسيت كقطعة خردة
فاطمة حبيبتي...
الفتاة التي تخطّت الخمسين من عمرها اليوم، وحيدةً كعنزة سوداء مربوطة بوتد في منتصف دارها.
كل مساء، وبمجرد أن تدق الساعة العاشرة، تبعثر شعرها الأبيض، وتُخرج سريرها الخشبي، الذي يشبه سرير الأطفال، بالكاد يتّسع لها وحدها. تجلس على حافته، وتضع أمامها منضدة خشبية، ثم تثبّتها بحجر أو قطعة كرتون. وبعد ذلك، تضع كرسيًّا وحيدًا، مهترئ الحبال وعليه قطعة خشب بمثابة مسند للجلوس.
بدت كل مساء وكأنها تنتظر شخصًا لن يأتي إلا في هذا التوقيت بالذات.
لم يكن أحد من سكان الحي يعرف فاطمة. فقد جاءت إلى الحي في إحدى سنوات الجفاف، هي وأبناؤها الثلاثة وزوجها.
وطوال السنوات العشر التي سبقت شتاء المجانين، لم تزر جارةً، أو تواسِ أرملةً، أو تهنّئ عروسًا.
بدت كشخص غامض، لا يحدث أحدًا، ولا أحد يحدثه. فقد حاولت بعض الجارات التحدث إليها، لكنها كانت جافة وغليظة معهن. عدن من عندها محمرّات الوجوه، معقودات الألسن.
من حين لآخر، قد تزورها والدتها، أو صديقة قديمة، وأحيانًا إخوتها.
أما زوجها، فقد كرهته إلى الحد الذي جعلها تشقّ رأسه.
**
حين تزوجها، أخبرته والدتها أن جميع البيوت تبدأ هكذا، وأن فاطمة ما تزال طفلة غريرة، لم تختبرها الحياة بعد، بمرور الوقت ستنبت بينهما براعم المودة والحب، وتصبح أشجارًا عظيمة.
أما هو فقد أعمى الحب قلبه، وسلب لبّه، فهام بها.
لكنها كرهته منذ اللحظة الأولى التي رأته فيها. ولطالما مسحت بوجهه الجدران المتهالكة، وأسمعته ما لا يحتمله أي رجل متزن. وأخيرًا، حين يئست منه، ألقت بما فاض به قلبها على لسانها:
إنها تحب شخصًا آخر من سنّها، ملأ عليها قلبها و عقلها فأصبح عالمها و دنياها
و برغم كل ما فاضت به روحها
لم يتنازل عنها، بل زاده الأمر إصرارًا. لن يسمح بهذا.
سيحرق الدنيا على أن يتركها لشاب طائش يلهو بها.
كيف يفعل ذلك؟ لن يدعها تحطم حياتها بسمّ الحب، وتدمّر مستقبلها المشرق معه. فهو الحكيم الذي تعلّم من غربته الطويلة، التي امتدت لعشرين عاما
حين تركها طفلةً في خدر أمها، وهو يتجرّع الوحشة والغربة طوال تلك السنوات. لم تختبر سفينته رمل الشاطئ، و ها هو أبن الخمسين حزنا وحين وجد الميناء أخيرًا، ووضع قدمه على الرصيف، يأتي طفل في العشرين ليردّه عن بلاده!
وأخيرًا، قرر إخبار والدتها بكل ما قالته، علّها توبّخها وتمسح عنها غشاوتها.
لم يعرف أن والدتها، الحجة آمنة، تعرف كل ذلك؛ فهي لم تخفِ عنها شيئًا أبدًا.
كان الظلام دامسًا في غرفة فاطمة، لا يبدّده سوى شمعة وحيدة بالقرب من مرقدها. وعلى الرغم من حر الصيف الخانق، فإنها، منذ أن ظهر مأمون في حياتها، كرهت الضوء والجلوس في أي مكان مفتوح. فقد يحضر في أي لحظة، ومن أي اتجاه.
...
في تلك الليلة، دار شجار عنيف، حتى إنها، ولأول مرة، صرخت في وجه والدتها بهذه الطريقة غير المهذبة، الخالية من الأدب، وأخبرتها صراحةً أن والدها أحبها أكثر منها، لو انه لم يرحل ليتركها و حيدة في هذه الدنيا ، لما حدث لها كل هذا.
وأخيرًا، هدّأتها دموع أمها.
للمرة الأولى منذ وفاة أبيها، بكت أمها كما لم تبكِ من قبل .
حاولت أن تعتذر لوالدتها لكنها كانت عاجزة عن النطق تمامًا. اقتربت منها، وأرادت أن تضع يدها على كتفها، لكن أمها دفعتها بعنف، ثم صاحت بها:
«إذا لم تتزوجي مأمون، فمن اليوم لستِ ابنتي. وسألقى الله غاضبةً كما أنا الآن!»
خرجت الحجة آمنة مسرعةً عبر الصالة إلى المطبخ، ثم أغلقت الباب خلفها بعنف...
.....
ارتدت فاطمة بنطالها الأزرق الذي أحبّه، وبيجامةً زرقاء، وحمالة صدر وردية، وفوقها عباءة سوداء لا أحبها.
اتصلت بي. كانت تبكي كما اعتادت، وكعادتي، لم أسألها عن السبب؛ سألتها فقط: أين ومتى نلتقي؟
اقترحتُ منزل صديق كنت أقيم فيه، أو بالأصح، كنت أقوم بنوع من حراسته حتى يعود.
أنا أعرف صديقي هذا جيدًا، وأعرف أنه لا يجيد شيئًا في الدنيا غير النساء. ولولا حدث جلل، لما ترك داره أبدًا.
ربما لم تكن داره تمامًا، ولكن بما أن الأسرة ليست من المدينة، فهي كثيرة السفر إلى الريف. وفي الريف يموت الناس، أو يتزوجون، أو يلدون؛ وهكذا أصبح الدار داره.
إلى درجة أنه ينثر متعلقات نسائه في كل مكان. وكلما تجادلنا في هذا الأمر، كان يكسبني. صدّقتُ أنه يحبهن جميعًا. في الحقيقة، لا أعرف عدد نسائه بالضبط، ولكن لدي معرفة شخصية بخمس منهن.
...
أخبرتها بسفر صديقي، وأن البيت يقينا أعين الناس، ومضايقات الأطفال، ولعنات العجائز.
غضبت، وانفجرت في وجهي، وشتمتني. وسمعت صوت خطواتها وهي تكنس الأرض.
خرجت كالمجنون، أجوب الشوارع بحثًا عنها. هل خرجت من بيتهم أصلًا؟
وبعد أكثر من عشر مكالمات، عبر إليّ دمعها من الهاتف:
«أين أنت؟»
كلمة واحدة تكفي لأحدد مكانها...
شجرتنا.
كانت عند تلك الشجرة التي اعتدنا الجلوس عندها؛ تلك الشجرة اليتيمة، مثلها تمامًا. نمت في ذلك المكان تحديدًا، ولم يهتم أحد لأمرها، فيما كانت تشرب من مياه السيول وتقف صامدة في موسم الجفاف. لم تسقط منها ورقة من قبل، ولم تزهر أو تثمر حتى نعرف أي شجرة هي؛ ولذلك اكتفينا بمناداتها: شجرتنا.
كانت تقف داخلها، وبدا وكأن الشجرة تواسيها، وقد لفّت أغصانها عليها.
سألتها مباشرة:
«لماذا الطريق، وقد أتيحت لنا فرصة أن نلتقي؟»
كان يملؤني الإصرار.
فقديمًا، وقبل أن ينتبه صاحب البقالة إلى الشخص الغريب الذي يتردد كثيرًا على بيت في زقاق ضيق، ثم يخرج كَلصٍّ مصاب بقلبه وندبة في الروح، أظنه بدأ يراقبني. وبطريقة خبيثة، استطاع أن ينقل ما شاهده إلى والدتها، التي اكتفت بتهديدها.
وربما كان ذلك أحد الأسباب التي جعلتها ترغب في تزويجها بسرعة.
...
قبلها، كنا نلتقي في بيتهم، ونجهز فطورنا معًا. أحتضنها طوال النهار. لم نكن نتحدث كثيرًا، ونظل ملتصقين ببعضنا كحيوانات أليفة تستشعر خطرًا قادمًا.
وهكذا حفظت كل تفصيلة منها: رائحة زيت الكركار بالنارجين، وعطر الفل، وبشرتها الناعمة.
وحين نهمّ بالخروج، أساعدها في ربط حمالة صدرها.
كنا طيبين جدًا. لم أفكر يومًا في أن نكتفي من الحياة بحضن وقبلة. كانت حبيبتي وابنة قلبي، ولم تكن يومًا غير ذلك.
حاولت كثيرًا إقناعها، لكنها رفضت، وبطريقة فظة. نعم، لم تكن إجابتها هي السبب، ولكن طريقتها أغضبتني؛ أغضبت رجلًا قضى الأيام الثلاثة الماضية في ترتيب البيت.
كان البيت يضج بالبخور، وبدا كحقل أزهار اتسع على مدى خيالي، ورأيتها تأتي.
رأيتنا ندخل من بابه الرحب.
أيضًا، اشتريت عقدًا بكل ما أملك من فقر وحب؛ عقدًا رخيصًا، لكنها ستحبه.
ولم أكتفِ بذلك، بل اشتريت علبة هدايا من بائع متجول. نعم، لقد عشت لحظات لم أعشها طوال حياتي.
قبّلتها، واحتضنتها، ومشّطت شعرها، وداعبتها، ثم جلسنا نخطط لمستقبل خالٍ من «أبناء الحرام».
فهي الوحيدة التي آمنت بي وبنظريتي حول المجتمع وسبب فقره وحربه وكرهه.
وكانت تسبقني، كلما تحدثنا عن أي مصيبة، في إرجاع سببها إلى «أبناء الحرام».
...
استشطت غضبًا حين مرّت من جانبي. شعرت أنني قد ابتلعت حجرًا، وتصلّبت معدتي.
لم أستبن ملامحها، وكأن الصمت ابتلعها كاملة. سرت بالقرب منها، ولم نتحدث طوال الطريق.
وعند الزقاق، وقفت وحيدًا كفنارة عافتها السفن، أنظر إليها حتى توارت في الظلام.
ثم تبعتها، وكان آخر شيء سمعته صوت الباب وهو يُغلق.
مرّت أيام كثيرة لم أسمع عنها أو أرها.
كنت غاضبًا، مجروح الخيال، تعيسًا كقط مكسور الساق، حين عاد صديقي.
وعادت نساؤه.
وابتلعت الفوضى كل شيء، حتى إنه أهدى العقد لإحداهن.
واستطعت أخيرًا الخروج من ذلك الوهم العميق.
وبمرور الوقت، نسيت كل شيء.
عاد قلبي يبحث عنها كما اعتاد دائمًا. بحثت عنها حين كنا أطفالًا كبارًا في المدرسة، ثم حين أصبحنا حمقى كبارًا في الجامعة. ولأن الجامعة، ولفترة طويلة، كانت تنجب أبناء الحرام، فلم يختلف الأمر الآن.
رنّ هاتفي.
أضاءت الشاشة، وأضاءت روحي. استجمعتُني لنفخة روح ثانية.
ثم جاء صوتها كربيع منتظر.
وكعادتها، كانت تبكي. أنا أيضًا بكيت كثيرًا؛ بكيت كطفل أضاع أمه في ساحة المولد.
«متى وأين؟»
«شجرتنا».
هذه المرة لم تكن كسابقتها. تحدثنا كثيرًا، وضحكنا كثيرًا.
لكنها بدت متعبة جدًا. لم أهتم لذلك، ولم أتوقف عن الكلام وإلقاء النكات، أما هي فظلت تحتضنني طوال اللقاء، وكانت تضحك بتعب واضح.
وحين تحركنا مبتعدين عن شجرتنا، تعلّق غصن منها بياقة القميص. انسحبت بقوة، فتمزّق القميص. كنت أحب قميصي ذاك.
ولأول مرة، منذ أكثر من سبع سنوات، انتبهت إلى أن لشجرتنا شوكًا؛ ليس شوكًا عاديًا، بل شوكًا أشبه ما يكون بالسنانير الصغيرة.
ضحكت فاطمة.
ضحكت حتى بكت. نعم، كانت تبكي وتضحك في الوقت ذاته.
سألتها:
«هل كان لها شوك؟»
لكنها لم تجب.
ثم سرنا، أنا بقميص ممزق، وهي بعباءة مليئة بالغبار.
كنا نضحك كلما نظر أحدنا إلى الآخر.
وأخيرًا، وجدنا أنفسنا عند باب بيتهم.
خلعت قميصي. كان الزقاق مظلمًا بشكل مريب. نفضت الغبار عن عباءتها بقميصي.
ثم جلست لألمّع حذاءها، حين شعرت بها تهتز.
وقفت، واحتضنتها حتى هدأت.
ثم انفجرت في وجهي غاضبة. بدت وكأنها تصرخ، ولكن بصوت مكتوم. أخبرتني أنها قضت اليوم كله تذرع الطرقات دون هدى.
خمس عشرة ساعة قضتها تركب حينًا، وتسير حينًا آخر.
أخبرتني عن مأمون وعن والدتها. بكت بكل شيء.
احتضنتني بقوة، ثم فجأة أفلتتني، ودفعتني حتى كدت أسقط.
وقالت لي بحزم:
«لنهرب».
ذهلت.
«كيف؟»
ردّت عليّ بحزم أكبر:
«الآن نهرب».
هدّأتها، وأخبرتها أن كل شيء سيسير على ما يرام.
لا أدري متى وصلت إلى الباب.
ثم، وبصوت مسموع، رجّ الظلام.
رمت جملتها بقلبي:
«أنت ابن حرام، وستنجب أبناء حرام، وأنا بنت حرام، وسأنجب أبناء حرام».
من كتابي (ديك العِدة)
.. البقية تاتي
@المتابعون
9