خلاصة الخلق.
تولى الملك الشاب مقاليد الحكم خلفاً لأبيه الراحل، وهو محمل بطموح جارف وطاقة عارمة. ومذ استوى على العرش، استبد به هاجس عميق: ألا يقع في أخطاء أسلافه، وأن يبني عهده على عصارة التجارب البشرية. ومن أجل غاية نبيلة، أصدر أمره العاجل بجمع حكماء المملكة وفلاسفتها، وكلفهم بجمع حكمة الأمم السالفة وتدوينها.
انكشف الحكماء على أمهات الكتب وتاريخ الشعوب، وبعد عناء طويل وجهد مضنٍ، عادوا إلى الملك حاملين ألف مجلد ضخم تعج بالوصايا والنواميس وتجارب الملوك الغابرين.
نظر الملك إلى ذلك الكم الهائل من الأسفار، فاستثقله، واعتراه الضيق، مخاطباً الحكماء بقوله:
"إن عمري قصير، وأعباء الملك عظيمة، وليس لدي متسع من الوقت لقراءة هذه المجلدات كلها!"
فانحنى الحكماء احتراماً، وعكفوا على مهمة جديدة شاقة؛ حيث أمضوا شهوراً يختصرون تلك الأسفار ويهذبونها، ثم عادوا بالحصيلة المقلصة. لكن الملك استكثرها أيضاً، وأمرهم بتلخيصها مرة بعد أخرى، في كل مرة يختزلون فيها الأوراق، بحجة ضيق وقته المتواصل.
وظل الحال هكذا، يقل حجم التراث ويزداد تركيزه، حتى استقر الأمر أخيراً في يد الحكماء على خلاصة الخلاصة. فتقدم شيخهم الوقور، وقدم للملك ورقة صغيرة جداً، خطت عليها بضع كلمات فقط لتكون دستوراً أبدياً للحياة وعصارة لتاريخ البشرية جمعاء.
فما هي تلك الكلمات؟
لقد كتبوا له:
"لقد ولدوا، وعاشوا، وماتوا."
#متابعين #مجتمع #لآلئ_اليوم #مقهى_الخزامى #أوراق
8