عندما ينحني الكبرياء
الروائية هالة جاد
🎖️أوراق التوت
هالة جاد روائية تميل في كتاباتها إلى استكشاف التحولات الإنسانية والعاطفية، وترصد خفايا النفس حين تتأرجح بين الانكسار والتعافي، وبين ذاكرة الوجع وإمكانية البدء من جديد.
📌
تنسج هالة جاد في هذا النص رحلة وجدانية تتقاطع فيها الخيبة مع التحرر، ويصبح الكبرياء في مواجهة القلب الذي لم يفقد قدرته على الحب. تبدأ الحكاية بأثر عاطفي مثقل بالوجع، ثم تتكشف ملامح علاقة أنهكتها الخيبات، حتى تبلغ البطلة لحظة استعادة ذاتها وإعلان حريتها.
ويأخذنا النص في منعطف سردي لافت، حين يتحول الهروب إلى لقاء، والصمت إلى اعتراف، لتبقى النهاية معلقة بين ذاكرة الألم وإغراء الأمل. إنها كتابة عن تعقيد المشاعر الإنسانية، وعن قلب يتعلم النهوض دون أن يتخلى تمامًا عن الحلم.
📌📌
#عندما_ينحني_الكبرياء
🔗🎖️
عندما ينحني الكبرياء
بَعْدَ أَنْ أَحْرَقَتْنِي نَظَرَاتُ عَيْنَيْهِ بِوَشْمِهَا..
أَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْوَقْتَ سَيَمْضِي بِكُلِّ مَا فِيهِ؛ وَأَنَّ ذَاكَ الْوَجَعَ الَّذِي يَعْتَصِرُنِي الْآنَ
سَيَمْضِي، وَلَنْ يَتَبَقَّى مِنْهُ غَيْرَ طَعْمِهِ فِي فَمِي، وَعِطْرِهِ فِي أَنْفَاسِي..
لَسْتُ كَسَابِقِ عَهْدِي مِنْ الْجُنُونِ بِكِ؛ كَيْ أَحْتَفِظَ بِقَارُورَةِ عِطْرِكَ فِي خِزَانَتِي!..
حَقاً؛ اَلْحُبُّ مَرَضٌ جَمِيلٌ!..
أَخِيرَاَ؛ نَظَرْتُ إِلَيْهِ بَعْدَ أَنْ أَحْرَقَتْنِي نَظَرَاتُ عَيْنَيْهِ بِوَشْمِهَا!..
كُنْتُ هُنَا عَلَى مُفْتَرَقِ طُرُقٍ، وَكُلٌّ لِحَالِ سَبِيلِهِ يَمْضِي..
فَمَا أَجْمَلَ هَجْرَ الذُّلِّ وَخَيْبَاتِ الْأَمَلِ!..
كُلُّ الْوُجُوهِ فِي ظَلَامِ الْحَقِيقَةِ تَتَشَابَهُ، كُلُّ الْأَقْنِعَةِ فِي زَيْفِ الْمَوَدَّةِ تَتَسَاقَطُ..
فَمَا يَبْقَى غَيْرُ حَقِيقَتِكَ وَحَقِيقَتِي، حَقِيقَتِنَا الْوَاهِنَةِ!..
كُلُّ سَاعَةٍ تَمْضِي، كُلَّ يَوْمٍ، كُلَّ شَهْرٍ، كَانَ يُبْعِدُنَا أَكْثَرَ، وَتَنْجَلِي صَفَحَاتُ عَلَاقَتِنَا
الْبَاهِتَةِ الْمَشَاهِدُ وَالْكَلِمَاتُ..
...هَرَبْتُ مِنْهُ؛ لَا، لَا.. أَقْصِدُ جَرَيْتُ إِلَيْهِ.. مَا بَالِي كُلَّمَا أَسْرَعْتُ الْخُطَى إِلَيْهِ؛
وَجَدْتُنِي فِي الْاتِّجَاهِ الْمُعَاكِسِ!..
هَلْ الْخَطَأُ بِي؟ أَمْ أَنَّنِي غَبِيَّةٌ فِعْلًا؟!..
ثُمَّ ضَحِكْتُ مِنْ نَفْسِي وَعَلَى نَفْسِي، ضَحِكْتُ كَثِيرًا..
مَا هَذَا؟!.. أَنَا أَضْحَكُ، وَبِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ!..
يَا إِلَهِي! مَا أَرْوَعَ هَذَا!..
آهٍ نَعَمْ؛ شَعَرْتُ بِهَذَا، وَكُلُّ ذَاكَ الْأَلَمُ غَسَلَتْهُ دُمُوعٌ ضَاحِكَةٌ..
وَهُمُومٌ ثَقِيلَةٌ تَسَاقَطَتْ بِخَفَقَةِ قَلْبٍ مُضْطَرِبٍ..
قَلْبٌ مَجْنُونٌ، مُتَرَقِّبٌ، مُسَرْبَلٌ بِالْآمَالِ وَالطُّمُوحِ الَّذِي لَمْ يَنْضُبْ..
وَكُلُّ تِلْكَ الْعَتَبَاتِ الْخَطِرَةِ تَخَطَّاهَا إِيمَانِي وَيَقِينِي..
آهٍ نَعَمْ؛ نَعَمْ؛ أَنَا حُرَّةٌ، ثُمَّ صَرَخْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي، أَنَا حُرَّةٌ!.. حُرَّة!..
جَالِسَةً عَلَى كُرْسِيٍّ خَشَبِيٍّ أَمَامَ مَحَطَّةِ الْقِطَارِ فِي انْتِظَارِ، فَرَأَيْتُهُ..
كَانَ جَالِسًا فِي مُوَاجَهَتِي عِنْدَ الطَّرَفِ الْآخَرِ، لَمْ يَرْفَعْ عَيْنَيْهِ عَنِّي، وَلَمْ تَفْقِدْ شَفَتَيْهِ
الِابْتِسَامَةَ الدَّافِئَةَ، وانْدَهَشْتُ حِينَمَا...
يَاإِلَهِي الرَّحِيمُ! مَاذَا، مَاذَا يَفْعَلُ؟!..
قَامَ مِنْ مَقعَدِهِ وَمَشَى بِاتِّجَاهِي، حَامِلًا مَعَهُ بَاقَةً كَبِيرَةً مِنْ زُهُورٍ حَمْرَاءَ
وَبَنَفْسَجِيَّةٍ، لَمْ تَرَ عَيْنِي مِثْلَهَا مِنْ قَبْلُ، وَوَاصَلَ تَقَدُّمَهُ حَتَّى وَصَلَنِي..
فَرَكَعَ أَمَامِي، ثُمَّ أَخَذَ رَاحَةَ يَدِي الْيُمْنَى، فَقَبَّلَ دَاخِلَهَا وَأَطْبَقَ أَصَابِعِي عَلَيْهَا، حَتَّى
شَعَرْتُ بِدِفْءِ شَفَتَيْهِ يَسْرِي بِدَاخِلِي حَتَّى النُّخَاعِ..
وَبَيْدِي الْأُخْرَى أَعْطَانِي الْوُرُودَ وَهُوَ يَقُولُ: كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّكِ سَتَأْتِينَ ذَاتَ يَوْمٍ، ثَلَاثُ
سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ كُنْتُ آتِي وَأَنْتَظِرُكِ، وَمَا مَلَلْتُ وَلَا يَئِسْتُ، وَالْآنَ نِلْتُ جَائِزَتِي..
لَيْتَنِي اسْتَطَعْتُ مَنْعَهُمْ مِنْ أَذِيَّتِكَ!..
لَيْتَنِي اسْتَطَعْتُ مَحْوَ أَوْجَاعِ رُوحِكَ، وَآلَامِ قَلْبِكَ!..
لَا تَبْكِ؛ فَدُمُوعُكَ تُحْرِقُنِي!..
أَرْجُوكِ؛ لَا تَفْعَلي!..
حَبِيبَتِي أَنْتِ، حَبِيبَتِي أَنْتِ..
وَكَيْفَ هَذَا؟!..
فَنَبَضَ قَلْبِي مِنْ جَدِيدٍ لِصِدْقِهِ، وَقَدْ امْتَلَأَ صَدْرِي بِالْأَمَلِ وَالْإِشْرَاقِ، وَكَأَنَّنِي عُدْتُ
إِلَى الْحَيَاةِ مِنْ جَدِيدٍ، وَكَأَنَّنِي بِنْتُ عِشْرِينَ..
فَابْتَسَمْتُ لَهُ؛ وَعَيْنِي لَا تُفَارِقُ الْعَاطِفَةَ فِي عَيْنَيْهِ، يَدْعُونِي إِلَيْهِ..
فَمَدَّدْتُ يَدِيّ أَسْتَمِدُّ الْقُوَّةَ مِنْهُ، وَأَنْتَشِي بِالْحُبِّ فِي هَمَسَاتِهِ الْحَانِيَةِ..
وَالتَّسَاؤُلُ لَا يُفَارِقُنَا!..
فَذَهَبْتُ فِي طَرِيقِهِ، وَهُوَ فِي طَرِيقِي!..
#عندما_ينحني_الكبرياء
#الوشاح_الأبيض
#مقهى_الخزامى
#هاله_جاد
#أوراق
⸻
Published by
مجلة مقهى الخزامى الأدبية السعودية
November 2026 #مجتمع #لآلئ_اليوم #مجالس_مجتمع #مقهى_الخزامى #أوراق



1/3
215