✨ الجسر القديم ج3✨
الجزء الثالث المرأة التي لم تمت
لم يتحرك العابر
كان ينظر إلى المرأة، ثم إلى الرجل الذي بدأ وجهه يتبدل أمام المرآة، وكأن الحقيقة تتشكل ببطء لتصبح أكثر قسوة مما يستطيع إحتماله.
قال بصوت خافت
من أنتِ؟
لم تجبه
كانت عيناها معلقتين بالرجل الجالس، وفيهما خوف لم يستطع تفسيره
أما الرجل، فقد نهض أخيراً، ووقف أمام المرآة
قال
لا تصدقها إنها السبب في كل ما حدث لك
صرخت المرأة
كفى!
ارتجت الغرفة، وانطفأت المصابيح دفعة واحدة
وفي الظلام، سمع العابر صوت خطوات تقترب منه، ثم شعر بيد باردة تمسك بمعصمه.
كانت المرأة
همست
يجب أن نخرج من هنا قبل أن يتذكرك تماماً
يتذكرني؟ من؟
أنت
لم يفهم
لكنها سحبته نحو الباب الصغير خلف المرآة، وفي اللحظة التي عبرا فيها، سمع صوت الرجل يصرخ
إذا خرجت الآن، فلن تعرف أبداً لماذا دفنتني!
توقف العابر
التفت ببطء
ماذا قلت؟
ساد صمت ثقيل
ثم جاء صوت الرجل، أكثر وضوحاً هذه المرة
لقد دفنتني بيديك
كان الباب يفضي إلى ممر طويل، تتدلى على جدرانه صور قديمة
اقترب العابر من إحدى الصور
رأى طفلاً يقف أمام منزل خشبي، وبجانبه امرأة تحمل مظلة سوداء
وفي أسفل الصورة، كُتب تاريخ يعود إلى عشرين عاماً مضت
لكن الشيء الذي جعله يتراجع مذعوراً لم يكن التاريخ
بل وجه الطفل
كان وجهه هو
قالت المرأة
هل بدأت تتذكر؟
أغمض عينيه
بدأت الصور تتدفق في ذاكرته كالماء من سد مكسور
ليلة ممطرة
صوت صراخ
سيارة تنحرف عن الطريق
وجسر قديم
ثم يد صغيرة تمتد نحوه
ووجه امرأة يختفي تحت الماء
فتح عينيه فجأة
أنتِ
لم يستطع إكمال الجملة
أومأت المرأة
نعم
لكنك متِ!
ابتسمت بحزن
هذا ما أخبروك به
تراجع إلى الخلف
من أخبرني؟
لم تجب
فجأءة سمعا صوت جرس بعيد
اهتزت الصور على الجدران، وبدأت تتساقط واحدة تلو الأخرى
قالت المرأة
لقد استيقظ
من؟
نظرت إليه طويلاً
ثم قالت
الشخص الذي كان ينبغي أن يموت تلك الليلة
في نهاية الممر، ظهر باب أسود
لم يكن عليه مقبض، بل كانت هناك عبارة محفورة في منتصفه
لا يخرج من هنا إلا من يعرف أيهما الحقيقة وأيهما الذكرى.
وضع العابر يده على الباب
فانفتح وحده
وخلفه
كان هناك منزل
منزله القديم
لكن النوافذ كانت مضاءة، والستائر تتحرك، وصوت ضحكات أطفال يتردد في الداخل
اقترب من النافذة
رأى رجلاً يجلس على الأريكة، وامرأة تضع الطعام على الطاولة، وطفلاً يركض بينهما.
كان الرجل هو نفسه
وكانت المرأة هي المرأة التي تقف بجانبه
أما الطفل
فكان ينظر مباشرة إلى النافذة
ثم ابتسم
إبتسامة يعرفها العابر جيدا
إبتسامة انعكاسه في الماء
همست المرأة
لا تدخل
لكن العابر لم يعد يسمعها
كان الطفل قد رفع يده وأشار إليه
ثم تحركت شفتاه بكلمات لم يسمعها، لكنه فهمها
أبي لماذا تركتني وحدي؟
تجمد العابر
وسقطت الحقيقة الأخيرة من ذاكرته كحجر في بئر عميقة
لم يكن قد فقد المرأة وحدها تلك الليلة
لقد فقد ابنه ايضاً
والأسوأ من ذلك
أنه لم يكن يقود السيارة حين وقع الحادث
بل كان ابنه
في تلك اللحظة، شعر العابر بأن شيئا داخله ينكسر
قال للمرأة
لماذا لم تخبريني؟
أجابته والدموع تملأ عينيها
لأنك لم تكن مستعداً لتعرف أنك نجوت
نجوت من ماذا؟
أشارت إلى المنزل
من الموت
ثم اقتربت منه وهمست
لكن هناك شخصاً آخر لم ينجُ
توقف قلبه للحظة
من؟
نظرت إلى النافذة
كان الرجل داخل المنزل قد نهض
والطفل اختفى
أما المرأة داخل المنزل
فقد بدأت تلتفت نحوه
قالت بصوت لا يشبه صوتها
لقد حان الوقت لتعود إلى مكانك
وفي اللحظة نفسها، سمع العابر صوت الرجل خلفه
أخبرتك أنني لن أتركك
استدار
كان الرجل يقف في نهاية الممر، لكنه لم يعد يشبهه.
لقد أصبح نسخة منه تماما.
نسخة تحمل في عينيها شيئاً لم يره العابر من قبل
شيئاً يشبه الموت
ثم قال الرجل
والآن دعني أخبرك بالحقيقة التي أخفتها عن نفسك
أنت لم تكن الناجي من الحادث أنت كنت الحادث نفسه.
يتبع ⬅️
@المتابعون
✒️ قلم لا ينتظر التصفيق
❤️ قلب يعطي ليشبه نفسه
#مجتمع #أدب#فلسفة
65