"جلجامش: ما يتركه العابرون."
١- ألواح الطين:
كلُّ هذا الترابِ
احتفظْنا بهِ كي نقولَ:
مررْنا.
كلُّ هذا الغيابِ
كتبْنا لهُ اسمًا،
وقلنا:
لعلَّ الذي سوف يأتي
يرانا.
يا قارئَ الطينِ،
لا توقظِ الميّتينَ لتسألَهمْ
كيف ماتوا؛
اسألِ الحيَّ:
كيف احتملْتَ الحياةْ؟
كان في أوروكَ ملكٌ
إذا مرَّ،
مالتْ ظلالُ الرجالِ،
وضاقَتْ بأهلِ البيوتِ الجهاتْ.
وكان يرى سورَها
مثلَ كفٍّ تطوّقُ عنقَ الزمانْ،
ويقولُ:
أنا من أقامَ الحجارةَ،
من علَّمَ الطينَ
ألّا يخافَ الهوانْ.
غيرَ أنَّ امرأةً
عند بابٍ صغيرٍ
تقولُ:
ومن علَّمَ الملكَ
أن يسمعَ الناسَ
حين يضيقُ المكانْ؟
٢- القادم من البرية:
وجاءَ من البرِّ
مَن لم تروِّضْهُ أسماءُ أهلِ المدينةْ.
على كتفَيْهِ نهارٌ،
وفي شعرِهِ
تتعثَّرُ ريحٌ حزينةْ.
يُقاسمُ ظبيَ الفلاةِ المياهَ،
ويعرفُ من رجفةِ العشبِ
أين تمرُّ الظباءْ.
ولم يكُ يسألُ:
مَن سيخلِّدُ اسمي؟
وكانَ إذا جاعَ
أصغى إلى الأرضِ،
لا للسماءْ.
دخلَ المدينةَ؛
كانتْ حجارتُها
تتطلَّعُ نحوَ خطاهْ.
ورأى جلجامشَ،
لم ينحنِ،
لم يقلْ:
أيُّها الملكُ،
نحنُ فداكَ.
وقفَ الآنَ
مثلَ سؤالٍ
أمامَ ادِّعاهْ.
فتصارعَ الاثنانِ؛
ارتجَّ بابٌ،
وسالَ غبارٌ
على شفتَيْ نافذةْ.
كلُّ واحدِهِم
كان يدفعُ عن صدرِهِ
وحدةً نافذةْ.
ثمَّ،
حينَ تهاوَتْ
جدرانُ ما بينَ قلبَيْهِما،
ضحكا.
لم يجدْ جلجامشُ
في الأرضِ خصمًا؛
وجدْ
مَن يقولُ لهُ: لا،
ويبقى معَهْ.
٣- غابة الأرز:
قالَ:
نمضي،
فما المجدُ إن لم نعلِّقْ
على بابِهِ المستحيلْ؟
قالَ صاحبُهُ:
إنَّ للغابِ قلبًا،
وإنَّ الطريقَ طويلْ.
قالَ:
نمضي.
ومرّا،
وكانتْ جذورُ الشجرْ
تشدُّ الترابَ
كأنَّ الترابَ سيسقطُ
إن نامَ عنهُ الشجرْ.
وكان الهواءُ قديمًا،
وفي كلِّ غصنٍ
تقيمُ عيونُ المطرْ.
وقفا،
والفؤوسُ بأيديهما،
والسكوتُ
أشدُّ من الصيحةِ المقبلةْ.
ليس كلُّ الذي نستطيعُ
جديرًا بأن نفعلَهْ.
غيرَ أنَّ الفتى
حينَ يسمعُ اسمَهُ
يرتدُّ من قمّةٍ،
قد يظنُّ الصدى
وعدَهُ بالبقاءْ.
هوَتِ الضربةُ.
اهتزَّ ظلٌّ،
وطارَتْ طيورٌ
بعيدًا،
بعيدًا،
كأنَّ السماءْ
تلمُّ شظايا السماءْ.
وعادا،
على كتفَيْهِم غصونٌ،
وفي إثرِهِم
شيءٌ لا يُرى
كان يمشي ببطءٍ
ويحصي الخطى.
٤- سرير إنكيدو:
لم يجئِ الموتُ
في هيئةِ السيفِ.
جاءَ سريرًا،
وحمّى،
ووجهًا
يغيبُ قليلًا
ويظهرُ في الضوءِ
أكثرَ ممّا مضى.
قالَ إنكيدو:
قرِّبْ إليَّ المياهْ.
فقرَّبَها،
غيرَ أنَّ يدَ الصاحبِ
ارتعشتْ.
كيف ترتعشُ اليدُ
التي صارعتْهُ،
وكانتْ تشدُّ النهارَ
إلى صدرِهِ،
وتردُّ الوحوشَ
إذا أقبلتْ؟
قالَ:
لا تتركني.
ولم يعرفِ الملكُ
مَن منهما قالَها.
كان إنكيدو
ينظرُ نحوَ مكانٍ
وراءَ المكانْ،
وكانَ فمُ الملكِ
يبحثُ عن أمرِهِ الملكيِّ:
انهضِ الآنَ،
عُدْ،
لا تمتْ.
غيرَ أنَّ الكلامْ
وقفَ عندَ شفتَيْهِ
مثلَ حراسِ بابٍ
بلا قوّةٍ
وبلا سُلَّمٍ
للظلامْ.
ثمَّ بردَتْ
تلكَ اليدْ.
وظلَّتْ يدُ الملكِ
تقبضُها،
مثلَ طفلٍ
يُمسكُ طرفَ النهارِ
لئلّا يضيعَ
إلى الأبدْ.
٥- سؤال الجسد:
سبعةَ أبوابِ حزنٍ
فتحتُ،
ولم ألقَ غيرَ الجدارْ.
أأناديكَ؟
هذا اسمُكَ الآنَ
يملأُ فمي،
ثمَّ يرجعُ
دونَ جوابٍ،
غبارْ.
أأهزُّكَ؟
ها أنتَ أثقلُ
من كلِّ ما قد حملْنا،
وأبعدُ
من آخرِ النجماتْ.
كنتَ بالأمسِ
تسبقُني في الطريقِ،
فكيفَ سبقتَ
خطايَ إلى
حيثُ لا طرقاتْ؟
أنا أيضًا
سأصمتُ؟
هذا الذي
كان يأمرُ،
كان يُحبُّ،
وكان يخافُ اعترافًا،
سيُتركُ تحتَ الترابْ؟
خلعَ الملكُ زينتَهُ،
ومشى.
لم يكنْ يبتغي
عرشَ أرضٍ جديدةْ؛
كان يبحثُ
عن ثغرةٍ
في الجوابْ.
ما وراء المياه
عبرَ الليلَ،
لا نجمةٌ تستدلُّ
على وجهِهِ،
لا رفيقْ.
كلَّما قالَ:
أوشكتُ،
امتدَّ تحتَ خطاهُ
الطريقْ.
ورأى البحرَ؛
لا سيفَ يفتحُهُ،
لا صراخَ يردُّ الموجَ،
لا رايةً
تشتري للغريقْ
نَفَسًا واحدًا.
قالَ:
يا أيُّها الماءُ،
هل خبَّأتْكَ الحياةُ
لتمنعَنا من يديها؟
وظلَّ على الضفّةِ الأخرى
صوتٌ يقولُ:
تعالَ،
ولكنْ
دَعِ الملكَ خلفَكَ،
دَعْ
ما حملتَ من الأسماءْ.
فالذي يطلبُ العمرَ
عارٍ
أمامَ الفناءْ.
٦- امتحان النوم:
قالَ شيخُ المياهِ:
تريدُ البقاءَ،
ولا تستطيعُ
احتمالَ مساءْ؟
قاومِ النومَ،
واجلسْ قليلًا،
وراقبْ يديكَ،
وراقبْ مرورَ الهواءْ.
جلسَ الملكُ.
كانَ يُحدِّقُ في عشبِ كوخٍ،
ويُصغي
إلى حطبةٍ تتكسَّرُ
في النارْ.
ثمَّ مالَ
على تعبِهِ.
وحينَ استفاقَ،
تحسَّسَ وجهَهُ،
قالَ:
لم أنَمِ الآنَ،
لم تغبِ الشمسُ،
ما زلتُ أنتظرُ الاختبارْ.
فأشارَ العجوزُ
إلى الخبزِ
يابسًا
قربَهُ.
وسكتْ.
للمرّةِ الأولى
رأى الملكُ
ما صنعَ الوقتُ
من غيرِهِ،
بينما كانَ يحلمُ
أن يُخضِعَ الوقتَ
أو يُوقِفَهْ.
٧- نبتة في القاع:
ومعَ ذلكَ،
كانتْ هنالكَ نبتةْ.
شيءٌ صغيرٌ
كأنَّ الرجاءَ
إذا أنهكتْهُ المسافاتُ
صارَ وريقةْ.
غاصَ إليها،
وحينَ أدمَتْ أصابعَهُ
ضمَّها،
مثلَ مَن ضمَّ
شمسًا غريقةْ.
قالَ:
أحملُها للمدينةْ.
فلعلَّ الشيوخَ
يردّونَ أعمارَهمْ
من تجاعيدِهمْ،
ويقومونَ،
يمشونَ،
لا يسندونَ الخطى
بالعصيِّ الحزينةْ.
ثمَّ أبصرَ ماءً
فألقى المتاعَ،
ونحّى عن الجسمِ
ملحَ الطريقْ.
وفي غفلةٍ،
مرَّتِ الحيّةُ.
لم يكنْ حولَها
موكبٌ،
لم تُنادِ باسمٍ،
ولم تستلَّ سيفًا.
أخذتْ
ما تبقّى
من الحلمِ،
وانسلَّ جلدٌ قديمٌ
على الرملِ.
عادَ،
فلم يلقَ إلّا
الفراغَ
وقشرًا رقيقْ.
جلسَ الملكُ،
والنهرُ يمضي.
لمنْ يحملُ الآنَ
هذا الطريقْ؟.
٨- العودة إلى أوروك:
حينَ لاحتْ
لهُ أوروكُ،
لم يرفعِ الرأسَ
كي تتصاغرَ
تحتَ خطاهُ البيوتْ.
رأى امرأةً
تغسلُ الصوفَ،
طفلًا
يجرُّ عصًا،
ورجالًا
يردّونَ بابًا
إلى بيتِ شيخٍ
تداعى عليهِ السكوتْ.
ورأى في الشقوقِ
نباتًا صغيرًا،
فلم يسألِ الحارسَ:
مَن أذنَ الآنَ
للعشبِ أن يتسلَّقَ سوري؟
وقفْ.
وضعَ الكفَّ
فوقَ الحجارةْ.
كان دفءُ النهارِ
بها باقيًا،
رغمَ أنَّ النهارَ
مضى.
قالَ للملاحِ:
انظرْ
إلى هذهِ الآجراتْ.
ثمَّ أصغى.
بعيدًا،
وراءَ الجدارِ،
تعالتْ
من البيتِ أغنيةٌ،
وتبعَتْها
ضحكاتْ.
• يزن العجيل...
5