الكتابة الأدبية:
الكتابة الأدبية ليست ضربًا من التسلية العابرة، وليست انهمارًا عشوائيًّا للحروف فوق البياض. إنها عناقٌ بين الفكر واللغة، ولادةٌ متجددةٌ لمعاني الروح في جسد الكلمات
صراعٌ محتدمٌ بين العقل والقلب، بين ما يُقال وما ينبغي أن يُقال، بين صرخةِ
الدهشةِ وصمتِ التأمل.
إنها فنٌّ عميقُ الجذور، لا يستقيم إلا لمن امتلك نَفَسًا طويلًا يقدر على الغوص في أعماق الوجود، لا من يلهث خلف بريقٍ زائل. إنها مرآةٌ يرى فيها القارئ ذاته، لكنها ليست مرآةً عادية، بل نافذةٌ تطلُّ على عالمٍ آخر،
فيه الألمُ أجمل، والفرحُ أبهى، والمأساةُ أكثرُ صدقًا من الواقع نفسه.
حين يكتب الأديب، فهو لا ينثر حبرًا على الورق، بل يسكبُ ذاته، يبعثر روحهُ بين السطور، كمن يشقُّ صدره ليضع قلبه بين أيدي قرّائه. إنه أسيرُ المعنى وصانعه، وسجينُ اللغة ومحرّرها، ملكٌ متوَّجٌ في عرشه،
لكنه بلا حصانةٍ من سيف الألم الذي يقطر من مفاصل كلماته.
الكتابة الأدبية ليست ترفًا، بل قدرٌ ومسؤولية، هي سيفٌ ذو حدين؛ إمّا أن ترفع صاحبها إلى مصاف الخالدين، وإمّا أن تحرقه بوهجها حتى الفناء.
كلُّ نصٍّ يُكتب هو انتحارٌ صغير، موتٌ بطيء في سبيل الخلود، فالكلمات حين تخرج من روح الكاتب، لا تعود إليه أبدًا، تصبح ملكًا للعالم، عاريةً أمام القارئ، تُفسَّر وتُحرَّف، تُمدَح وتُهجَى، لكنها تظلّ كيانًا نابضًا لا يموت، حتى وإن تلاشى صاحبها في غبار الزمن.
ما أعظم الكلمة حين تكون سفينةً تحمل الحلم، وجسرًا يعبر به الإنسان إلى نفسه، وسراجًا يشعل العتمة! وما أشدَّها فتكًا حين تصير معولًا يهدمُ، وسوطًا يجلد، وسجناً يأسر!
إن الأدب العظيم ليس زخرفةً لفظيةً فارغة، وليس صخبًا أجوف، بل هو ذلك النفَس الذي ينبعث من بين الكلمات، تلك الروح التي تسري في الجمل فتمسُّها بالحياة. إن أعظم النصوص هي التي تخترق القارئ دون أن تستأذن، تجعله يضع الكتاب جانبًا وينظر إلى الفراغ طويلًا، كأنما تلقّى طعنةً لا يدري من أين جاءت.
الكاتب الحقيقيّ لا يكتب ليُعجب، بل ليُدهش، لا ليُرضي، بل ليُحرِّض، لا ليُسلّي، بل ليوقظ. كل كلمةٍ يخطّها يجب أن تكون خنجرًا في خاصرة البلادة، ومطرقةً تهوي على رؤوس المسلمين وشعلةً تحرق زيف العالم لتكشف ما وراءه من حقيقة.
إن الكتابة الأدبية ليست مهنةً ولا هواية، بل لعنةٌ جميلةٌ لا خلاص منها، وجحيمٌ لذيذٌ لا يُطاق، هي أن تحمل على كاهلك وزر الحرف، فتُسائل ذاتك في كل مرةٍ: هل كنتُ صادقًا بما يكفي؟ هل أوجعتُ القارئ بما يلزم ليُعيد النظر في العالم؟
وهل تركتُ في كلماتي أثرًا لن تمحوه الأيام؟
إنها رسالة، وقبضةٌ في وجه الزمن، وصرخةٌ في وادٍ قد يبدو موحشًا، لكن أصداءها ستظل تتردد حتى بعد أن يتلاشى صوتُ صاحبها.
منقول
5