مالا يباع في المزاد
ما لا يُباع في المزاد
في ليلةٍ تشبه آخر صفحةٍ من كتابٍ احترق نصفه، فتحتُ مزادًا علنيًّا لبيع ما تبقّى منّي.
علّقتُ لافتةً على باب الروح كُتب عليها:
«ممنوع الدخول على مَن لم يفقد شيئًا من نفسه».
جاء الدلّال متأخّرًا، يحمل مطرقةً من خشب الذاكرة، ودفترًا لم تُسجَّل فيه الأرباح قطّ.
صاح بصوتٍ تعلّم الوقوف فوق جثث الكلمات:
ــ المعروض الأول: ذاكرةٌ مستعملة، كثيرة الأعطال، تحفظ أسماء الذين نسونا، وتنسى أسماء الذين أحبّونا. فيها مقاعد فارغة، وأعيادٌ لم يحضرها أصحابها، ونافذةٌ ظلّت مفتوحةً لسنوات، لأن أحدًا لم يخبر القلب أن العائدين لا يعودون دائمًا.
من يشتري؟
لم يتقدّم أحد.
قلتُ: اخفض السعر؛ فقد دفعتُ فيها من عمري ما يكفي لشراء مدينةٍ كاملة، ولم أحصل منها سوى على شارعٍ ينتهي عند الغياب.
انتقل الدلّال إلى المعروض الثاني:
ــ طفولةٌ لم تبلغ سنّ الرشد؛ ما زالت تحتفظ بسنّها المكسورة، وبدميةٍ فقدت إحدى عينيها، وبسؤالٍ لم تجد له جوابًا: لماذا يكبر الذين نحبّهم ويتركوننا؟
ثم عرض قلبًا عليه آثار أصابعٍ كثيرة؛ بعضها صافحته، وبعضها اقتلع منه ما استطاع، وبعضها ترك عليه وعدًا لم يتحلّل من كذبه حتى الآن.
نادَى:
ــ قلبٌ أحبّ أكثر مما ينبغي، وانتظر أطول مما يليق بالعمر. هل من مشترٍ؟
تقدّمت امرأةٌ تشبه الخيبة، تحسّست نبضه، ثم أعادته إلى الطاولة.
قالت: هذا القلب لا يصلح للبيع؛ لقد تعلّم أن يخسر دون أن يتوقّف عن الحب.
ضحك الدلّال، ورفع المطرقة.
ــ المعروض الثالث: وطنٌ صغيرٌ محفوظٌ في جيب رجلٍ كبير. رائحةُ خبزٍ خرجت من فرنٍ قديم، وعتبةُ بيتٍ لم تعد تعرف وقع خطوات أهلها، ومفتاحٌ يفتح بابًا لم يعد موجودًا.
من يشتري وطنًا لا تسعُه الخرائط، ولا تستطيع الحقائب حمله، ولا تكفيه أعمار المنافي؟
هذه المرّة انحنت القاعة. حتى الدلّال خفض رأسه، كأن شيئًا في داخله تذكّر بيتًا لم يعد إليه.
ثم جاء دور القصائد.
أخرجتُ قصائدي واحدةً تلو الأخرى، ونفضتُ عنها غبار السنوات. كانت بعضها يابسًا كأغصان الخريف، وبعضها ينزف حبرًا، وبعضها لم يكتمل لأن الحياة سبقتني إلى نهايته.
قلتُ للدلّال:
ــ لا تخلط بينها؛ هذه القصيدة كُتبت لميتٍ لم يمت، وتلك لوطنٍ مات فيه شيءٌ لا يُدفن، أما هذه فكتبتها لنفسي، ولم أجد فيها نفسي.
سألني:
ــ وماذا تريد مقابلها؟
قلتُ:
ــ لحظةً واحدةً لا أضطرّ فيها إلى التظاهر بأنني بخير.
دوّن طلبًا في دفتره، ثم شطب عليه؛ فاللحظات التي تشبه الحقيقة لا تدخل المزادات.
في آخر القاعة، نهض رجلٌ مجهول، وسأل:
ــ هل بقي شيء؟
أشرتُ إلى صدري.
ــ بقي هذا.
قال الدلّال:
ــ القلب؟
قلتُ:
ــ لا. ما بقي بعد القلب.
اقترب الرجل، وأصغى طويلًا، ثم تراجع مذعورًا.
كان يسمع طفلًا صغيرًا يصرخ في داخلي، وامرأةً تبكي عند بابٍ موصد، وشاعرًا يكتب على جدار الخذلان، وشيخًا يتفقّد أسماء الراحلين كي لا يموتوا مرتين.
قال الرجل:
ــ هذا ليس إنسانًا واحدًا؛ هذه مقبرةٌ تمشي على قدمين.
أجبته:
ــ بل إنسانٌ حاول أن يظلّ حيًّا، فاضطرّ إلى دفن أشياء كثيرةٍ فيه.
عندها أعلن الدلّال انتهاء المزاد.
لم تُبع الذاكرة، ولم يُشترَ الحب، ولم يجد الوطن من يحمله، وعادت القصائد إلى صدري كما تعود الطيور إلى أعشاشٍ هدمتها العاصفة.
أغلقنا القاعة.
وفي اللحظة التي هممتُ فيها بالمغادرة، التفتُّ إلى الدلّال وسألته:
ــ أخبرني، ما الشيء الوحيد الذي لم نستطع بيعه؟
نظر إلى دفتره، ثم إلى وجهي، وقال:
ــ ذلك الذي جعلك تقف هنا، رغم كلّ ما خسرته.
سألته:
ــ وما اسمه؟
قال:
ــ كرامتك.
خرجتُ إلى الشارع خفيفًا، كأنني أخلع عن روحي ثيابًا لم تكن لي.
لم أستردّ ذاكرةً، ولم أستعد حبيبًا، ولم أجد وطني عند الباب.
لكنني حملتُ شيئًا لم تطله يدُ الدلّال، ولم تصل إليه مطرقة المزاد.
لقد جئتُ لأبيع ما تبقّى منّي، فاكتشفتُ أن أثمن ما أملك هو ذلك الجزء الذي لم تستطع الحياة أن تشتريه، مهما أغرتني بالخسارة.
ومنذ تلك الليلة، لم أعد أخشى الإفلاس؛ فقد عرفتُ أخيرًا أن الإنسان لا يفلس ما دام في داخله شيءٌ يرفض أن يُباع.
دكتور مفلح شحادة شحادة كاتب وشاعر وناقد المانيا
2