حين نبحث عن أنفسنا في عيون الآخرين
في المجتمعات التي تجمع أصحاب الأقلام والأفكار، تتجاور عوالم شتى، وتتقاطع رغبات لا تقل اختلافا عن أصحابها.
فهناك من يأتي بحثا عن مساحة يبوح فيها بما عجز عن قوله، وهناك من ينتظر قارئا يفهم ما وراء كلماته، وآخر يبحث عن كلمة تقدير تمنحه شعورا بأن ما يكتبه لم يذهب سدى.
وبين هذه الرغبات تنشأ علاقة معقدة بين الكاتب ونصه، وبين ما يكتبه وما ينتظر أن يسمعه.
فالكلمة، مهما بدت مكتفية بذاتها، تظل متطلعة إلى عين تقرؤها، وعقل يتأملها، وربما قلب يشعر بها.
ولعل حاجتنا إلى التقدير أمر طبيعي، غير أن هذه الحاجة قد تتجاوز حدودها أحيانا، فيصبح اهتمامنا بما يقال عن ما نكتبه أكبر من اهتمامنا بما تحمله تلك الكتابات نفسها.
نفرح بالإعجاب، وننتظر التعليقات، ونترقب عودة من مروا على صفحاتنا
حتى نعجز عن التمييز ،أكان الإعجاب بالنص، أم باسم كاتبه ؟
وقد يحدث أن نمر على كلمات الآخرين مرورا عابرا، بينما ننتظر منهم قراءة متأنية لما نكتبه. نطالب أن يفهم ما وراء سطورنا، لكننا لا نمنح دائمًا سطور الآخرين ما تستحقه من تأمل.
وهنا تبرز مسألة المجاملة، تلك المساحة الدقيقة التي يصعب أحيانا الفصل فيها بين الود الصادق والمبالغة في الثناء. فالكلمة الطيبة قد تعيد إلى الكاتب رغبته في الاستمرار، لكن المديح حين يفقد صلته بالحقيقة يفقد شيئا من قيمته، وتصبح الكلمات المتشابهة عاجزة عن التعبير عن شعور صادق.
فليس كل نص عظيما، وليس كل اختلاف انتقاصا من صاحبه. وربما كانت أعظم خدمة نقدمها لبعضنا أن نتعلم كيف نثني بصدق، ونختلف باحترام، وننتقد دون تجريح، ونتقبل النقد دون أن نراه مساسا بذواتنا.
وثمة وجه آخر يستحق التأمل
ذلك الغموض الذي يحيط ببعض الكتابات، ويجعل القارئ يبحث طويلا عن معنى يتوارى خلف الصور والاستعارات ، فالغموض قد يفتح أبوابا واسعة للتأويل، ويمنح النص حياة تتجاوز معناه الأول، لكنه حين ينفصل عن الفكرة يتحول إلى حجاب يحول دون وصولها.
فالعمق لا يقاس بمقدار ما نعسر على الآخرين فهمه، ولا قيمة الفكرة بما نحيطها به من تعقيد، فقد تكون عبارة بسيطة أعمق من صفحات مزدحمة بالرموز، لأن الصدق في التعبير لا يحتاج دائما إلى أبواب موصدة.
ومع ذلك، ليس من الإنصاف أن نطالب كل نص بأن يشبهنا، أو أن نحاكم كل تجربة أدبية بمقاييسنا الخاصة. فلكل كاتب طريقته في التعبير، ولكل قارئ تجربته التي يرى العالم من خلالها، وبينهما مساحة ينبغي أن تتسع للاختلاف دون خصومة.
لكن السؤال الذي يستحق أن نطرحه على أنفسنا هو هل نكتب لأن لدينا ما نقوله، أم لأننا نريد أن نرى أنفسنا في عيون الآخرين ؟
ربما يجتمع الدافعان في داخلنا. نكتب لنبوح، وننشر لنصل، وننتظر التقدير لأن كلماتنا تحمل شيئا منا. غير أن الخطر يبدأ حين تصبح نظرة الآخرين مرآتنا الوحيدة، فنفقد القدرة على رؤية ما نكتب
ولعل أجمل ما تمنحنا إياه المساحات الأدبية ليس كثرة المتابعين ولا وفرة التعليقات، وإنما فرصة لقاء أفكار لم نعرفها، وقراءة تجارب لم نعشها، والاختلاف دون أن نخسر احترامنا لبعضنا.
وربما كان السؤال الأعمق الذي ينبغي أن نتركه مفتوحا
حين ننتهي من الكتابة، ونغادر صفحاتنا، وننفض عن أرواحنا انتظار الإعجاب والثناء
ماذا يبقى من كلماتنا، وماذا يبقى منا ؟
#أدب
#مجتمع
#مجتمع_عام
@المتابعون

15