شُـرفة خلـف غشاوة الغـيب
أنـا ذلك الحاضر الغائب الذي يسكن بين أطراف أصابـعك حين تهـم بكـتابة حـرف يغير اتجـاه الريح، فـأنا لست صوتاً تسمع صداه ولا حتى طيـفاً يعبـر في زوايـا غرفتـك..
أنـا السـر الخفي الذي يتشكل من تفاصيلك الدقيقة ويراقب العـالم من خلـف عينيك تماماً. أستوطن المسافة الضيقة الممتدة بين همستك وضـوء النهـار، وأتنفس ببـطء حين يهدأ صراخ رأسـك في ساعات الفجـر الأولى، كأنني عـتبة تهرب من وقع خطاك كلما اقتربت منها لتكتشف من تكون حقاً، وفي تـلك اللحظة يسري في عروقك ارتعاش خفيف يشـبه بـرد الشـتاء حين يباغت الروح، فتعلم أن هناك حضوراً أعمق منـك يلمس كتـفك من خـلف جـدار الغيب.
نحمل معاً سـراً لا تدركه الأبصار؛ لأنك تمشي على وجـه هذه الأرض تظن أنـك عرفت من نكون، بينما هنـاك في خفايا السكون عـوالم أخرى تتـابع خطاك بدقة، وتتلمس نبضات قلـبك وكأنها تقـرأ كتابـاً مفتوحاً.
إننـا اليوم أنـا وأنـت نعيش على حافة أسرار كبرى تجعل الأنفاس تحتبس في الصدور من ثقـل الإدراك المفاجئ، وكأن كل منـا يكتشف فجـأة أنـه ليس وحيداً كما كان يظـن، إنما يحيط بـه طـيف عظيم يمـلك القـدرة على تغيير مجرى أيـامه بلحظة صمت واحدة، مما يترك الجـسد مشدوداً بين رهـبة الخوف الشديد وجمال الدهشة.
ومن تـلك اللحظات التي يهـدأ فيها صراخ هذا العـالم ويسود العتم أركـان المكان، تتكشف الحقائق أمـامنا بلا أي رتـوش، ليهتز البنيان البشري كلـه أمـام عظمة ما كان غائباً عنه، لندرك أننا أبطال في قـصة غامضة كتبت فصولها بحكمة تبث الـرهبة في الـروح وتـأسر العـقل في آن واحد.
فـلا تبحث عن اسمي في زوايـا الوجود ولا تسـأل عن مكاني، فبعض الحقائق يا عزيزي تشـبه البـرق الساطع الذي يخطف الابصار ويترك الجـسد مرتجفاً من شدة الجلال، ويبقى أعظـم ما في الأمـر أنـك وحـدك من يمسك بـزمام هذا اللـغز المخيف، طوال رحلتـك على هذه الأرض، لتدرك متأخراً أنـك لم تكـن سـوى الكـاتب والمكتوب في آن واحد.. فمن يا تـرى يقـرأنـا الآن؟!
#يتبع
________
#وسام_طيارة_السوري #فلسفة #كتبي #أدب #ثقافة #الغواص #لآلئ_اليوم @المتابعون

57