
مقال دقيقتان للقراءة
الطب التقليدي والطب في زمن العولمة والذكاء الصناعي
يشهد العالم المعاصر تسارعاً مذهلاً في شتى مجالات الحياة، ولا سيما في قطاع الرعاية الصحية الذي بات مسرحاً لتداخل عميق بين إرث الإنسانية العريق وطموحاتها المستقبلية الجامحة. وفي هذا السياق، يبرز التباين والتقاطع في آنٍ واحد بين الطب التقليدي، بما يحمله من خبرات متراكمة وأعشاب وطقوس علاجية متوارثة، وبين الطب الحديث في ظل العولمة وتقنيات الذكاء الاصطناعي، ليطرح تساؤلات ملحة حول مصير الهوية العلاجية ومستقبل العلاقة بين الطبيب والمريض.
يُعد الطب التقليدي، بمختلف مدارسه، جزءاً لا يتجزأ من التراث الثقافي والحضاري للشعوب. وقد أسهم علماء أجلاء وأطباء عظام في وضع أسس هذا الطب وتطويره على مر العصور، لعل أبرزهم الشيخ الرئيس ابن سينا الذي ألّف "القانون في الطب" جامعاً فيه بين الملاحظة السريرية والعلاج بالأعشاب والنظم الوقائية، والفيلسوف والطبيب ابن رشد الذي برع في التشخيص وفهم الوظائف الحيوية للجسم، إلى جانب علماء آخرين كـ الرازي الذي أسس للطب التجريبي ودون الملاحظات الدقيقة للأمراض، والزهراوي رائد الجراحة التقليدية. هؤلاء وغيرهم نظروا إلى الإنسان نظرة شمولية تربط جسده بروحه وبيئته المحيطة، مستمدين فعالية علاجهم من التجربة والملاحظة المتوارثة أجيالاً بعد أجيال، معتمدين على البعد الإنساني والنفسي وقرب المعالج من مريضه.
وفي المقابل، ومع انصهار الحدود الجغرافية والثقافية في بوتقة العولمة وتحول التكنولوجيا المتقدمة إلى عصب أساسي للتقدم، دخل القطاع الصحي عصراً ثورياً جديداً يعتمد على البيانات الكبرى والخوارزميات الذكية. وفي هذا السياق الحديث، يقود نخبة من أطباء وعلماء العصر الحديث طفرة توظيف الذكاء الاصطناعي في الطب، أمثال البروفيسور إريك توبول (Eric Topol)، رائد دمج الذكاء الاصطناعي والطب الرقمي والطب المخصص، والدكتورة فيديلا فيجايان (Fe-Fe Li أو رواد الذكاء الاصطناعي الطبي المعاصرون)، إضافة إلى الفرق الطبية والبحثية في مؤسسات كبرى مثل مستشفيات مايو كلينك وماساتشوستس للتكنولوجيا التي تطور خوارزميات الذكاء الاصطناعي. تستطيع هذه الأنظمة الذكية اليوم تحليل صور الأشعة بدقة متناهية واكتشاف الأمراض النادرة في مراحلها الأولى، كما فتحت العولمة الأبواب أمام الطب المخصص القائم على تحليل الجينوم البشري، وأتاحت الاستشارات الطبية وجراحات الروبوت عن بُعد عبر الحدود والقارات.
قد يتبادر إلى الذهن أن التقدم الهائل للذكاء الاصطناعي والعولمة سيمحوان الطب التقليدي، غير أن الاتجاهات الحديثة تشير إلى ضرورة التكامل لا الإقصاء. فكثير من العقاقير الحديثة تُستخلص أصلاً من مركبات طبيعية أشار إليها ابن سينا وغيره من أطباء التراث، والذكاء الاصطناعي اليوم يُستغل لغربلة آلاف النباتات الطبية واكتشاف خصائصها الفعالة بكفاءة وسرعة غير مسبوقتين.
إن المعادلة الناجحة في مستقبل الرعاية الصحية لا تقوم على المفاضلة بين الماضي والمستقبل، بل على الاستفادة القصوى من دقة الذكاء الاصطناعي وسرعة العولمة الطبية، مع الحفاظ على روح الحكمة الشمولية وإنسانية الطب التي ورثناها من الأساليب التقليدية. فالإنسان في نهاية المطاف ليس مجرد أرقام وبيانات تُحللها الشاشات الذكية، بل كائن حي يحتاج إلى أحدث تقنيات العلم واللمسة الإنسانية الدافئة معاً.
