بستانٌ يزهر… وقلبٌ لا يُتقن مواسمه
بوح قلم
في مسائي، تتناوبني الفصول كأنّ الريح تقرأ تقويم قلبي؛ غيمةٌ تُنضج في الروح مطر الأمل، وأخرى تُوقظ في الذاكرة مواسم الوجع، وألفُ خاطرٍ يمضي بي إلى جهةٍ لا أعرف لها شاطئًا.
أُطلّ على بستاننا، فأرى الحياة تُتقن ما أعجز عنه؛ البرتقالُ يعلّق شموسه الصغيرة على الأغصان، والليمونُ ينثر بياضه كأنّه رسائلُ من غيم، والدوحُ يفتح ذراعيه للريح، وعناقيد الكروم تتدلّى كأنها قناديلُ من عسلٍ أضاءها المساء.
يا لفتنة الأرض حين تكتب قصيدتها!
غصنٌ يتهجّى الضوء، وثمرةٌ تختزن صيفًا كاملًا، ونسمةٌ تعزف على أوتار الذاكرة لحنًا لا يسمعه إلا قلبٌ يعرف معنى الحنين.
فتسألني: كيف يبدو المساء؟
أقول: جميلٌ حدّ الدهشة… لكنّ الجمال، مهما اكتمل، يظلّ ينقصه وجهٌ واحد. أمام مجرّتك تخجل النجوم من ضيائها، وتصغر المسافات، ويغدو الكون الواسع مجرّد نافذةٍ أطلّ منها على غيابك.
سقتك غيوم الرحمة من كوثرها، وأزهرت أيامك بما تشتهي الروح؛ أما أنا فتتداولني ألوان العمر: أحمرُ كجمرة شوقٍ لا تنطفئ، أخضرُ كغصن أملٍ يرفض الانكسار، وأصفرُ كورقةٍ أرهقها الانتظار قبل أن يحين خريفها.
كلُّ يومٍ يجيء بوجه، وكلُّ وجهٍ يخفي حكاية، وكلُّ حكايةٍ تترك في القلب سؤالًا مؤجّلًا. أرتّب مقاعد الفرح في داخلي، فيتأخر الضيف، وأفتح نوافذي للغد، فتدخل الذكريات قبله.
ومع ذلك، لا أُطفئ مصابيح الرجاء؛ فما زلت أزرع في المساء أمنية، وأخبّئ في جيب الغد أغنية، وأؤمن أنّ للقلوب ربيعًا لا تحدّده الفصول، وأنّ بعض الأزهار تتأخر لا لأنها نسيت طريقها، بل لأنها تنتظر مطرًا يشبه الحلم.
وهنا تكمن حيرتي: كيف يفيض البستان ثمارًا، وتفيض السماء مطرًا، وتفيض الأرض عطرًا، ثم يبقى في قلبي غصنٌ عارٍ من الفرح؟
لعلّ الحكاية ليست أنّ الربيع تأخّر عن قلبي… بل أنّ قلبي، منذ عرفك، لم يعد يعترف بربيعٍ لا تمرّين به.
د. مفلح شحادة شحادة
3