نَكْهَةُ مَا لَا يُرَى
بوحٌ في الجسد والروح
أريد امرأةً لا أبدأ معها من الكلام؛ فالكلمات، مهما أتقنت ترتيب نفسها، تظلّ أضيق من ارتجافةٍ صادقة، وأقلّ من نظرةٍ تستطيع أن تفتح في القلب أبوابًا ظنّها موصدة إلى الأبد.
أريد أن أبدأ من تفاصيلها التي لا ينتبه إليها العابرون؛ من خطّ فكّها حين يستريح الضوء عليه، من انحناءة عنقها كأنها فاصلةٌ رقيقة بين قصيدتين، ومن عينيها حين تلتقيان بعينيّ، فلا تعود النظرة مجرّد رؤية، بل اعترافًا صامتًا بأن شيئًا فينا كان ينتظر هذه اللحظة.
أريد اقترابًا لا تستوعبه المسافات، ويدًا لا تكتفي بملامسة يدي، بل توقظ فيها ذاكرة اللمس، وقبلةً لا تكون وعدًا بما بعدها، بل اعترافًا بأن اللحظة بلغت من الصدق ما تعجز اللغة عن احتماله.
أريد رغبةً لا ترتدي أقنعة الادّعاء؛ شغفًا لا يخجل من جسده، وأنفاسًا تتعثر من فرط القرب، وارتجافًا لا يحتاج إلى مترجم. أريد أن نصغي إلى ما تقوله البشرة حين تصمت الشفاه، وإلى تلك الموسيقى الخفية التي لا يعزفها إلا قلبان ألقيا عن نفسيهما ضجيج العالم.
لكنني لا أريد الجسد نهاية الطريق؛ أريده عتبته الأولى. فما قيمة أن نبلغ ذروة اللمس إذا ظلّت أرواحنا واقفةً على ضفتي المسافة؟ وما جدوى أن يتعانق الجسدان إذا بقي كلٌّ منا غريبًا في داخله؟
أريد تلك اللحظة التي لا يعود فيها العناق حركةً بين ذراعين، بل لغةً كاملة؛ حين يصبح القرب طمأنينةً، ويغدو الحضور وطنًا لا تحدّه جغرافيا، ولا تجرحه المسحافات.
هناك، لا نذوب كي نفقد أنفسنا، بل كي نكتشف ما كان خفيًّا فينا. لا يصير أحدنا ظلًّا للآخر، ولا يبتلع حضورٌ حضورًا؛ إنما تتسع الروحان حتى يجد كلٌّ منهما في الآخر متّسعًا للحياة، دون أن يتنازل عن ملامحه.
وهنا أفهم سرّ الملح…
إنه يذوب، ولا يُرى؛ يغادر صورته الأولى، لكنه لا يغادر أثره. لا تستطيع العين أن تشير إليه في الماء، غير أن الذائقة تعرفه، وتعرف أن شيئًا ما قد تغيّر إلى الأبد.
هكذا أريد الحبّ: ألا يكون امتلاكًا، بل أثرًا؛ ألا يكون عاصفةً تنتهي بانطفائها، بل نكهةً تبقى بعد انقضائها. أن نلتقي فلا نخرج من اللقاء كما دخلناه، وأن نفترق دون أن نعود إلى غربتنا الأولى.
فأنا لا أريد امرأةً أذوب فيها حتى أتلاشى؛ أريد امرأةً أكتشف معها أن الذوبان الأجمل ليس أن نفقد ذواتنا، بل أن نترك في روح الآخر نكهةً لا تراها العين، ولا تمحوها الأيام.
د. مفلح شحادة شحادة
2