ما بينَ ارتجافةٍ وقُبلة
اقتربي…
فليس بيني وبينكِ بُعدٌ تقيسه الخطى، بل رجفةٌ صغيرة تفصل اعترافًا عن اعتراف، وشفاهٌ تخبّئ قصيدةً كلما حاولت البوحَ استعانت بالصمت.
اقتربي…
ففي هذا الليل لغةٌ لا تعرف الحروف، وموسيقى لا تحتاج إلى عازف؛ نظرةٌ تُربك سكون القلب، ونَفَسٌ يلامس نَفَسًا، وأصابعُ تمضي على حوافّ الشوق كأنها تتحسّس طريقًا إلى سرٍّ لم تكتشفه الكلمات بعد.
أشتهيكِ لا كعابرٍ يطلب من النار دفأها، بل كأرضٍ طال انتظارها للمطر؛ أريد حضوركِ أن يوقظ فيَّ ما ظننته هدأ، وأن يردّ إلى نبضي دهشته الأولى، حين كان القلب يصدّق أن لمسةً واحدة قد تغيّر شكل العالم.
دعي المسافة تسقط عن كتفيها، ودعي أصابعنا تتعلّم ما لا يُدرَّس، وللشفاه أن تقترب على مهل؛ فبعض القُبلات لا تبدأ حين يلتقي الفم بالفم، بل حين يتراجع العالم خطوةً إلى الوراء، ويترك لقلبين أن يقولا ما ظلّا يخشيان الاعتراف به.
لا تستعجلي الحكاية…
فأنا أريد للّحظة أن تتذوّق خلودها، وللليل أن ينسى طريق الفجر، ولأنفاسنا أن تتعانق كما تتعانق نغمتان في لحنٍ لا يعرف كيف ينتهي.
أريدكِ قريبةً، لا لأمتلككِ، بل لأكتشف معكِ تلك المساحة النادرة التي لا يضطر فيها أحدنا إلى التخلي عن نفسه كي يسكن الآخر؛ أن نلتقي بكامل أرواحنا، وأن يكون العناق اتساعًا لا قيدًا، وأن يصبح الدفء لغةً لا تحتاج إلى ترجمة.
ثم سيأتي الصباح…
سيطرق زجاج النافذة بأصابعه الباردة، ويستردّ الليل من عيوننا، ويعيد الأشياء إلى أسمائها الأولى. ستفترق الشفاه، وتعود اليدان إلى وحدتهما، لكنني أعرف أن شيئًا سيظلّ عصيًّا على الرحيل؛ شيءٌ لا يُرى، ولا يُمسك، ولا تستطيع المسافة أن تنتزعه منّا.
فثمة قُبلةٌ لا تترك أثرًا على الشفاه، بل تترك في الزمن ندبةً من ضوء؛ كلما مرّ العمر عليها، أضاءت.
اقتربي…
فأنا لا أخشى أن ينتهي الليل، بل أخشى أن يطلع الصباح فأعود إلى نفسي القديمة؛ تلك التي لم تكن تعرف أن قبلةً واحدة قد توقظ في القلب عمرًا كاملًا، وأن بعض اللقاءات لا تمرّ بنا… بل تعيد خلقنا.
د. مفلح شحادة شحادة
6