ويحكي البحر
في هذه الليلة، أصغيتُ إلى البحر كما يُصغي العاشق إلى نبرة حبيبته؛ بكليّتي، وبدهشة طفلٍ يرى الفضاء للمرة الأولى.
كان صوته هادرًا، قادمًا من قريبٍ مهيب، يتسلل عبر النوافذ ليغمر أركان المكان. موجةٌ تتلوها موجة، كأن المياه تختزن حكاياتٍ بلا نهاية، وتصرّ على سردها كاملةً قبل انقضاء العتمة.
يا لعظمة المشهد! كيف يملك المرء أن يغمض جفنيه، والبحر على بُعد خطواتٍ منه؟ كيف يترك الجمال يمرّ دون أن يمنحه نصيبًا من التأمل؟ كيف يغفو والعالم حوله يعزف أروع سمفونيات الوجود؟
جلستُ أستمع إليه، وأرقب الخيال وهو يرسم امتداده خلف الظلام؛ أتخيل الموج ينبت من الأعماق، يندفع نحو الشاطئ بكبرياء، ثم يعود بانحناءةٍ رقيقة، تاركًا رغوةً بيضاء تشبه ابتسامةً عابرة على وجه الأرض.
للبحر مهابةٌ لا تشبه سواها، ولصوته سحرٌ يستعصي على الوصف؛ فيه قوةٌ تزلزل السكون، وحنانٌ يلامس الروح، واتساعٌ يذكّر الإنسان بصغر همومه أمام عظمة الخالق. كل موجةٍ تحمل غطاءً من الغموض، وكل ارتطامٍ بالصخور يبدو إعلانًا عن حياةٍ تأبى الخضوع للجمود.
في هذه الليلة، تمنيتُ على الوقت أن يتمهّل. أردتُ البقاء مستيقظةً، أستمتع بهذا الحضور الجليل، وأترك الصوت يتردد في داخلي كما تتردد القصائد في ذاكرة محبيها.
كم من جمالٍ يحيط بنا ونعتاد وجوده حتى نفقد دهشته! وكم من نعمةٍ تستحق الوقوف أمامها طويلًا، لنحمد الله عليها، ونمنحها من أرواحنا لحظة امتنانٍ صادقة.
أما أنا، فقد اختارني البحر الليلة لكوني من مستمعيه؛ أهداني موسيقاه بلا موعد، وجعل من نافذتي مقعدًا أمام مشهدٍ تقصر عنه الصور، ومن مضجعي مطلًا على إحدى أعظم العجائب.
سأذكر هذه الليلة؛ ليلةً كان فيها الموج أعلى من أفكاري، وأجمل من كل وصف، ليلةً أدركتُ فيها أن بعض السعادة تستغني عن الصحبة والحديث والأماني… يكفي قرب البحر، وحضور القلب، وأن يهبنا الله عينًا ترى الجمال وروحًا تحتفي به.
يا بحر، واصل حكايتك… فما زال في الفؤاد متّسعٌ لمزيدٍ من الدهشة.
#كلمات_من_القلب
#شرين_شوقي_عامر
