أطـياف تتـنفس
تنـساح الظـلال عبر شقوق البـاب الموارب لتجلل الأركـان، كأن الهـواء يحمل طيـفاً يمـور بخطوات مرتعشة بين شـرفات الغـيب لنصحو على صمت غامر ينـبض بالصدور إدراكـاً طازجاً بـأنه ما عـاد فريداً في هذا المـدى الممتد.
نفتـح السـتر نصف فتـحه لنلامس رذاذ الخـفاء، فإذا بالظـل الذي رافـق خطانـا طوال العـمر يترك الحائط لينتصب أمامـنا وجهاً لـوجه، فتتداخل ملامحنا بملامح ذلك الحضور الغامض ونصير نحن النـاظر والمنظور في آن واحد، نسري مع النسيم هادئاً بـرقة تتـرك الأنفاس محبوسة في رهـبة الخوف الجميل ورجفة الحقيقة المطلقة.
تهـدأ جلـبة هذا العـالم وتغفو الحواس في محراب السكينة، لتتحدث الجدران القديمة بلـسان شفيف تـدركه الـروح وحدها دون حاجة لصوت أو إشارة، لتـروي تفاصيل الأيـام المنقضية وكأنها تـعاد على صفحة المـاء الصافي، فنلتقط همس الحجارة ورائحة التـراب المبلل بنـدى الفجـر، ونقترب من العتبـة لنسمع وقـع خطوات غامضة تهـرب كلما دنـت منها لتكتشف من تكـون حقـاً، وحـال مباغتة بـرد الشـتاء للـكيان يـسري بالعروق ارتعاش حارق، فتـعلم أن هـناك حضوراً أعـمق مـنك يلمس الكـتف من خـلف جـدار الغـيب.
نمضي في درب تضيء جنباته نجـوم بعـيدة، نظـن في البداية أننـا بلـغنا قـاع السـر، فنكتشف فجأة أننـا ما زلـنا بـأول المراحل وحدها، حيث تتـسع المتـاهة وتتفرع الدروب بـلا حـدود، وكلما فتحنا بـاباً جديداً ظهرت لـنا شـرفة أخرى تطـل على عـوالم أقـدم وأكثر سحراً، لندرك عندها أن الأسماء التي نحملها مجـرد أوراق تذروها الـريح، وأننـا نتحرك داخل قـصة صيغت فصولها بمعمار غامض يشـد الألبـاب ويترك العـقل هائماً بـلا انتهاء.
نبـقى معلقين بين الوجود والعدم، وحـدنا نمسك بزمام هذا اللغـز المخيف، نراقب الحروف وهي تتشكل مجدداً على صفحة الأيـام القادمة، لنلمح من بعـيد طيفاً يلـوح من خـلف المـرآة ليخبرنا أن الحكاية لم تبـدأ أصـلاً.. فمن ذا الـذي ينتـظرنا خلـف البـاب القادم؟
#يتبع
___________
#وسام_طيارة_السوري #أطياف_تتنفس #فلسفة #كتبي #أدب #ثقافة #الغواص #لآلئ_اليوم @المتابعون

159