الشاعر وضاح حاسرصفحة
ــ غريب.. في الزمن الغريب ـــ
ـــ غريب.. في الزمن الغريب ـــ (ق.ق)
في شريعةِ الغابِ لا بقاءَ للضعيفِ يا غريب. جميعُ الطرقِ قد تؤدّي إلى روما، لكنها لن تؤدّي إلى قلوبِ (الهوامير) .
كانت يدُ النورِ قد امتدَّت تمسكُ بعنقِ الظلام ، تخنقُهُ ، تكتمُ أنفاسَه، لم يستطعْ مقاومتَها ، فهوَى مصروعاً ، منهزماً ؛ إيذاناً ببدايةِ يومٍ جديد.
تستيقظُ العصافيرُ باكراً، تعتلي أغصان أشجار اللوز المزهرة، تكسرُ حاجز الصمت بنَوْتَاتِ الزقزقة البديعة التي تروق لذائقة الصباح ، فيُشْرِعُ أبوابَ صدرِهِ لانشراحٍ عميق .
ومع ساعات الفجر الأولى ينطلقُ الفلاحون - كعادتِهم - إلى حقولِهم ، يتفقدونَها ، يقطفونَ ما يمكنُ قطافُهُ من محصول، إلا غريب لم يستيقظْ باكراً هذا الصباح لانشغالِهِ طيلةَ الليلِ بتمريضِ طفلتِهِ البكر ذاتِ الأعوام الأربعة التي تعاني من داءِ السلِّ الرئوي. لم يستطعْ غريب تأمينَ علاجٍ للطفلة أو إيصالَها إلى المشفى؛ لقلّةِ ذاتِ اليدِ ، حتى استفحلَ الداءُ، وتمكَّنَ منها، فأوهنَها، وتحوَّلَ مع الوقتِ إلى سعالٍ حادٍّ مزمنٍ ، تكحُّ .. تكحُّ بشكلٍ متواصل ، لكنها في الليلةِ الأخيرةِ هذِهِ صارت تكحُّ دمَاً.
جُنَّ جنونُ غريب ، فلم تكتحلْ عيناهُ بالنومِ حتى أوشكَ الفجرُ على البزوغِ ، فغفت عيناهُ من شدة الإرهاقِ والتفكير.
وغريب هو أحدُ الفلاحين وأقلُّهم حظاً فهو لا يملكُ إلا حقلاً صغيراً. بالكاد يكفي محصولُهُ لإعالةِ أسرتِهِ الصغيرة.
كان حقلُ غريب قد أصبحَ جاهزاً للقطافِ ، وكان ينوي أن يصحو باكراً ليقومَ بقطفِهِ ، وبيعِ المحصولِ ليستعينَ بثمنِهِ في نقلِ ابنتِهِ للمشفى وعلاجها .
كانت الشمسُ قد ضربت الأرضَ بأشعتِها الذهبيةِ حينما استيقظَ غريب بعد غفوتِهِ اللا إرادية ، ففزَّ مذعوراً ، وقامَ أولاً - على عجل - بتحسُّسِ ابنتِهِ الممدَّدةِ على سريرِ الألم :
– ما زالت تقاومُ المرضَ بوهنٍ وضعفٍ .. يتمتمُ : يا الله أمدَّها بالقوة والتحمل .
لم يتناولْ وجبةَ الإفطار ( الصبوح )، بل هرعَ متوجّهاً صوبَ حقلِهِ الصغيرِ الذي يتوسطُ حقولَ الآخرين الواسعةَ التي قد أوشكت هي الأخرى على القطاف .
شقَّ غريبٌ طريقَهُ وسطَ الحقولِ الشاسعة. وصلَ إلى حقلِهِ. وجَدَهُ مقطوفاً. صُعِقَ مصدوماً :
– يا الله .. ما الذي يجري هنا ؟؟
تلفَّتَ إلى الحقولِ حولَهُ؛ فرآها واقفةً بمحصولِها ، لم تصبْ بأذى. حقلُهُ وحدهُ المقطوفُ. أحلامُهُ تحطّمت على صخرةِ المفاجأة. أملُهُ في شفاءِ ابنتِهِ انتهى. أصابَهُ الدوارُ فجلسَ. يصرخُ بهستيرية :
– من قطفَ حقلي ؟؟
– اللصوص ..
– ولماذا حقلي أنا فقط ؟؟، وكيف وصل اللصوصُ إليه من بين كل هذه الحقول السليمة المحيطة به؟؟
– .......
هكذا إذن! يا غريب ..
عندما يتحوَّلُ الأقوياءُ إلى ذئابٍ فإنَّهم حتماً سيحوِّلون الضعيفَ إلى شاةٍ تُؤكَلُ متى شاؤوا .
عاد غريب إلى بيتِهِ خائباً، مكسوراً، محطماً، مقهوراً، بلا أملٍ، لا يلوي على شيءٍ ، يتفصَّدُ قلبُهُ وجعاً وحسرةً .
جلسَ إلى جوارِ ابنتِهِ على سريرِها. كلما نظرَ إليها ذرفت عيناهُ عبراتِهما الحارة ؛ فتمدُّ يدَها الواهنةَ لتمسحَ الدموعَ من على وجنتيهِ الذابلتينِ فيزدادُ حسرةً وقهراً.
قبيلَ الظهيرةِ كانت تنظرُ إليهِ ، وتمسكُ بيدِهِ ، كأنما كانت تودّعُهُ. بعد لحظاتٍ لفظت أنفاسَها الأخيرةَ. سجَّاها بحنانِهِ، وقالَ :
– لقد قتلوكِ يا ابنتي .. لقد قتلوكِ ..
وزفرَ آهةً مريرةً طويلة، ثُمَّ دخلَ في نوبةِ حزنٍ شديدة .
ـــ 10 / 7 / 2021 ـــ
#وضاح_حاسر
#ادب #مجتمع #قصة_قصيرة
@المتابعون



1/3
29