في حينا مجنونة مقطع قصير
شعرة تدلت على خدها، كانت كفيلة لدفعي.
أغمضت عيني، ثم نهضت واتجهت إليها. وكلما اقتربت منها، تثاقلت قدماي، حتى وقفت أمامها.
في البداية، كانت ملامحها هادئة جدًا. مددت يدي لأصافحها، فكأن يدي عبثت باللحظة، عكرت مزاج الزمن.
فزعت الفتاة. نهضت بسرعة، وأرجعت كرسيها إلى الخلف، ثم استدارت وغادرت.
ضحك عاشقان على البحر عليّ.
ضحك عادل.
أصبت بالدوار للحظة وفجأة، اختفى كل شيء، وسرت في ظلام دامس، عائدا من حيث أتيت.
ومنذ تلك اللحظة، ولسنوات كثيرة، عشت متفرجًا على الحياة.
أحببت كثيرًا. كل مكان زرته، تركت فيه جزءًا من قلبي. أبتسم، وأرد ابتسامة، وأحيانًا ألوّح بيدي،
حتى ظهرت نورة من حيث لا أدري.
أحببتها. فتاة ذات ملامح طفولية، ترتدي نظارة طبية، وتغني بصوت ملائكي. كانت تغني، وأحيانًا نتبادل قصائد نزار قباني.
وحينًا ترسل لي صورها، صورًا أحبها. وفي إحدى المرات، أرسلت لي صورة قديمة لها، وهي ترتدي بيجامة تكشف عما تحتها، ثم حذفتها بسرعة. تظاهرت بأنني لم أرها.
ومن يومها، وهي تحدثني عن ابن عمها، وأخيرًا، وكغيرها، غادرتني.
حزمت أمري: لا فاطمات بعد اليوم.
ولكنني رجل جريح، أدميت قدماه من طول التوهان.
لم يمر وقت طويل حتى جاءت مديحة.
لم أحب مديحة، بل عشقتها.
لم تكن كغيرها. كانت طفلة نشيطة، كثيرة الحركة، وهذه المرة هي من أوقعتني.
لأول مرة، رأيت مديحة بالجامعة.
كنت قد قررت بناء حياتي. عدت للدراسة. رأتني جالسًا، في ركن لا تصله الصداقة أو الحب، وأيضًا لأخفي فتقًا في حذائي.
فقد سقطت يومها في أحد أزقة الجامعة. سقطت دون سبب، والحمد لله، لم يرني أحد، أو هكذا كنت أظن.
نهضت، ونفضت ثيابي، ثم جلست قريبًا من مكان سقوطي. حتى إنني قررت في تلك اللحظة ترك الجامعة، ولذلك لم أدخل قاعة المحاضرات.
ألقت عليّ التحية، ثم اطمأنت عليّ.
كنت أكبرها، ربما بسنوات، لكنها أقدم مني هنا.
تجاذبنا أطراف الحديث. كانت جميلة إلى درجة تجعلك تتأكد أنها ليست لك.
وبمرور الوقت، أصبحنا أصدقاء.
كنت أحضر حتى أراها.
نلتقي في المكان نفسه كل يوم، دون موعد مسبق.
وبعد شهر أو أقل، لست متأكدًا، التقيت عصام.
فتى في الثالثة و العشرين من عمره، على ما أظن، تفوح منه روائح طيبة.
وكأن الله سخّره لنا، فلم نعد نحتاج إلى قطع مسافات طويلة، والدخول في زحمة السوق، ومعاناة انعدام المواصلات.
وكلما فكرت في الذهاب إلى مكان ما، كان عصام وسيارته أول ما يخطر ببالي.
كان فتى شهمًا، لكنه مثلي لا يجيد الصيد.
ربما كان لي فاطمة، لكنه لم يحظَ حتى بفاطمة.
وبمرور الوقت، زاد عدد الأصدقاء.
أنا وعصام ومديحة، كنا أصدقاء قريبين جدًا، رغم أن لكل من مديحة وعصام شلته، ولي أيضًا شلتي، لكننا كنا نلتقي كشلة منفصلة.
حتى ألمح لي عصام أنه يحبها، وكأنه لم يرَ خصلة شعرها على كتفي، وعطرها بيدي، وابتسامتها التي تضمد قلبي.
في داخلي قلت: لا بأس، سأساعده. وعلى كل حال، القرار لها.
أيضًا أنا لم أغسل غبار الطريق عن قدمي.
فكلما احتاجتني لشيء، وجدت ابتسامة على وجه عصام. فاقترحت عليها أن يفعل عصام ما تريد، بما أنه أصغر مني سنًا.
و استمر الأمر على هذا النحو
حتى وجدتهما، ولأول مرة، يجلسان في كافتيريا الجامعة.
كانت كافتيريا الجامعة من المحرمات عندنا. لا ندخلها ثلاثتنا.
عادةً ما كان عصام يجلب ثلاثة ساندويتشات وعصيرًا لمديحة، فهي لا تأكل، حسب ما تقول، خارج البيت.
واليوم، تأكل وتشرب، وتحمل هاتفه أيضًا، وتلكزه بكتفها من حين لآخر.
أشار لي عصام من خلف الزجاج. تظاهرت بعدم رؤيته.
وسرت ببطء مبتعدًا، لكنه لحق بي.
ابتسمت له.
سألني:
«لماذا لم تدخل؟»
ابتسمت، وقد احتجت إلى جهد عظيم، وكأن شفتيّ أصبحتا ثقيلتين جدًا، حتى كادتا تسقطان.
أجبته:
«خذ راحتك. الكرة في ملعبك الآن. وإن سألتك عني، أخبرها أنني ذهبت لأفعل أي شيء، وسأعود».
ابتسم لي، وأخبرني أنها باحت له.
استغربت الأمر. متى وكيف؟
علمت منه أنه، ولأسبوع، كان يوصلها من المحطة إلى الجامعة، واليوم أخيرًا، بينما كان يتلعثم في إخبارها بحبه، باحت هي له.
لا أدري لماذا لم أستطع نسيان مديحة بسهولة.
ولكنهما جميلان، ويشبهان بعضهما.
لم يمر وقت طويل حتى تركت الجامعة، وحملت حقيبتي إلى المطار.
وبعد وقت قصير، علمت أن عصام أيضًا قد سافر إلى بلاد العم سام.
أخبرتني صديقة مشتركة بيننا بذلك، فأنا لم أتواصل معه أو مع مديحة، وبالأحرى، لم أتواصل مع مديحة خارج الجامعة أبدًا.
أخبرتني تلك الصديقة بخطبتهما.
فرحت، لكنني لم أهنئهما. ليس لأنهما لم يخبراني، ولماذا يخبرانني أصلًا؟
ويوم غادرت البلاد، كنت مؤمنًا بشدة أن هذه البلاد تكرهني، فكرهتها.
وهكذا، لم أعد أسأل عن أحد إلا نادرًا.
ربما عادل، والذي أخبرني أنه تقدم لخطبة فتاة جميلة من الريف البعيد.
وأحيانًا تضايقني تلك الصديقة المشتركة، بأخبار عصام ومديحة، أو بسؤال حول الكتب.
فقد استعارت مني كتابًا ذات مرة، فاضطررت لمطاردتها أسابيع لأستعيده. ومن يومها لم أعرها كتابًا قط.
فكانت تسألني أن أقترح لها عناوين تشتريها أو تحملها بصيغة PDF، وهكذا.
ومن يومها، تراسلني من حين لآخر.
كانت لا تمل من تجاهلي لرسائلها.
أحيانًا يمر شهر دون رد، لكنها ترسل وتستمر في الإرسال.
أما أنا، وبعد سنة من إقامتي، اكتشفت أن هذه البلاد أيضًا لا تحبني.
@المتابعون
9