
مقال 4 دقائق للقراءة
كيفَ تُقنعُ خرطوماً تائهاً بأنه ليسَ جذعّ شجرةٍ مگسوراً¿!
"لا تبكِ علىٰ جفافِ غصنٍ ظننتهُ نَفْسَك، فَأنتَ لستَ خشباً مَيتاً يُنتظرُ إحتراقه، بَلْ أنْتَ الممرُ السائلُ الذي تعبرُ مِنْ خلالِهِ الحياةُ لِتُعيدَ تشكيلَ العطش."
تضاريس العبث الملتوية: في أن تُدرك كيف تمدُّ ظلك ولا تُثمر الفاتحة: في أصل الإلتواء والمآل حينَ يصحو الخرطوم في مُنتصفِ الذاكرة كائناً مِنْ عزلته، مُفرداً في برزخٍ بينَ الأنياب العظمية وجذور التمشي، يجدُ نفسه غارقاً في لُجةٍ مِنْ التساؤلات الصماء. لا يملكُ ساقين يختبر بهما صُلب الأرض، ولا أوراقاً يُصافح بها سأم الرياح، بل هو إمتدادٌ رخو، شريطٌ مِنْ لحمٍ وعصبٍ ذاكرةٌ مرنة ترتجف بينَ الهبوب والظمأ. غير أن العبث الوجودي، في أطوار تيهه الكبرىٰ ، لا يكتفي بأن يسلب الكائن يقينه، بل يُغريه بالعدوىٰ؛ فيرىٰ الخرطوم ظله الممدود علىٰ تراب السافانا الجاف، فيتوهم أنه غصنٌ مكسور سقط عَنْ كاهل أمومةٍ عتيقة. هكذا تبدأ المأساة الصامتة: أن يرتضي الكائن الرخو أن يكون خشباً ميتاً، وأن يختزل هدر دمهِ وتدفق الأنفاس في حلقةٍ سميكةٍ مِنْ السكون والتحجر. فكيف نُقنع هذا التائه العطش، الذي يعتقد أن الموت الخشبي هو جوهر كماله، بأنه أبعد ما يكون عَنْ الجذع.. بأنه «الماء ذاته مُتجسداً في شكل مّمر»¿! المحور الأول: سيكولوجيا التيه والإشتياق إلىٰ الثبات في عمق الميتافيزيقا الحية، يهرب الكائن مِنْ إغماء «اللاإستقرار» إلىٰ صلابة «العدم المُكتمل» إن الإنتماء إلىٰ شجرةٍ يعني التوقف عَنْ الإختيار؛ يعني أن تكون إبنّ الأرض الأوحد، مركوناً إلىٰ جدولٍ لا يخطئ مجراه، ومحمياً مِنْ قلق السعي والمطاردة. الخرطوم المنسلخ عَنْ جسد الفيل الأكبر، أو الضائع في جغرافية الغياب، يحنُّ إلىٰ الجذرية. إنه يتمنىٰ لو كان خشباً، لأن الخشب لا يحمل همَّ أن يكون ناقداً لذاته، ولا يتألم من كونه لا يملك شكلاً نهائياً. كل ما يفعله الخرطوم المكسور في ذهنيته الوهمية هو إنتظار الأرض لكي تبتلعه، أو النار لكي تلتهمه، وهو في الحالتين يتحرر مِنْ عبء "الصيرورة.. ولكن، أليسَ في هذا التمني خيانةٌ كبرىٰ لجيناته؟¿! إن الجذع المكسور هو نهايةٌ حتمية؛ أما الخرطوم فهو البداية التي لا تنتهي. الجذع يعبد الثبات، بينما الخرطوم يعبد التبدل. الجذع يتلقىٰ الضربات بصمت، والخرطوم يلتقطُ النسيم، ويمتص العبير، ويستشعر رطوبة المطر قبل أن يسقط. فكيف لشيءٍ خُلق ليكون "نغمةً سائلة" أن يرضىٰ بأن يكون "خشبةً صامتة"؟ المحور الثاني: هندسة المعنىٰ .. بينَ اللحم الخشن واللحم النابض إذا أردنا أن نختبر حقيقة هذا التائه، وجب علينا أن نقف معاً علىٰ عتبة التشريح الوجودي/_ الصلابة المؤقتة ضد المرونة الأبدية: الجذع المكسور هو نتاج قطيعة؛ إنه ما تبقىٰ مِنْ عظمة شجرةٍ داهمتها الفأس أو عصف الريح. أما الخرطوم، فهو إمتدادٌ عضوي مُتصل بالنبض المركزي؛ إنه حلقة الوصل بينَ جوف الجسد والكون الخارجي. إن الصلابة في الجذع هي نهاية الروح، بينما اللين في الخرطوم هو مناط الحياة. فلسفة الوظيفة والعدم: الشجرة تشرب عبر الأسفل وتتأمل نحو الأعلى؛ أما الكائن الذي يحمل الخرطوم فإنه يشرب عبر الأعلىٰ ويتأمل في الأفق. حينَ يتوهم الخرطوم أنه جذع، فهو يُلغي وظيفته الكبرىٰ كـ «جسرٍ بينَ الطاقات» إنه يحكم علىٰ الحنجرة بالظمأ الأبدي وعلى الريح بأن تمر دونه سدىٰ. أثر الندوب: الجذع المكسور تتركه الحشرات والسنون لتتحلل في طمأنينة العفن؛ أما الخرطوم، فكل خدشٍ عليه يرتجف، وكل لمسةٍ تترك فيه أثراً مِنْ الوعي الحاد بمدىٰ هشاشته وقوته في آنٍ واحد. الخرطوم لا يتعفن بصمت، بل يتألم بوعي. المحور الثالث: الخطاب الخفي.. كيف نُحاور "العدم الملتوي"؟ حينَ نجلس بمحاذاة هذا الخرطوم التائه في صحاري الذهن، لا نحدثه بلغة المنطق الرياضي، بل بلغة الشفرات الخفية والتناقض!؟!؟ "أيُها المُمتد كالسؤال بينَ كتفين عظيمين، يا مَنْ تظن أنك جففت ونشفت حتىٰ بتَ خشباً قابلاً للإشتعال: أنظر إلىٰ إنعكاسك في مرآة الغيمة. الجذع المكسور لا يشم؛ الجذع المكسور لا يختار بينَ زهرة الياسمين وروث الأرض. أنتَ لسْتَ مادةً ميتة ألقاها الخريف؛ أنتَ حبلٌ سريّ ألقته الحياة لتتأكد مِنْ أن العالم ما زال قابلاً للتشكيل." نحتاج أن نهمس له بأن الإلتواء ليسَ إنكساراً، بل هو الشكل الهندسي الوحيد القادر علىٰ إستيعاب تناقضات الوجود. الشجرة تذهب في خطٍ عمودي صارم نحو السماء، ولهذا تنكسر حينَ تعصف بها الرياح العاتية. أما أنتَ أيها الخرطوم، فتميل مع كل هبوب، وتتخذ ألف شكلٍ وشكل، لا خوفاً مِنْ العاصفة، بل لكي تستوعبها في طياتك. أنتَ لستَ عموداً مُستقيماً مهزوماً، بل أنتَ "المتاهة المضيئة" التي تمر مِنْ خلالها مياه الذاكرة الكونية. الخاتمة: إستعادة السائل مِنْ قسوة الحطب في نهاية المطاف، إن عملية إقناع الخرطوم بأنه ليسَ جذعاً مكسوراً هي في الواقع محاولة لإيقاظ الوعي مِنْ كابوس السكون. علينا أن نتركه يلامس الماء؛ ليسَ ليرتوي فقط، بل ليتذكر طعمه. فما إن ينساب الدفق البارد في قنواته العصبية، حتىٰ تنهار أسطورة الخشب الميت. يُدرك حينها أن الإنحناء ليسَ عجزاً، وأن الرخاوة هي أقصىٰ درجات المقاومة في عالمٍ يقدس الصلابة ليحطمها. الخرطوم التائه هو نحنُ حينَ تتقاذفُنا أوهام التسميات، فنظن أننا أجسادٌ بالية مُلقاة علىٰ هامش الغابة. لكننا، متىٰ ما إستنشقنا ريح المعنىٰ ، نكتشف أننا لسنا ما أنكسر مِنْ الشجر، بل نحنُ النبض السري الذي يُعيدُ للحياة أسمها الأول.
#إيالاڤيا #مجتمع #لاڤينيا_عيسىٰ
