الصحف الورقية....الجنازة المؤجلة
كانت هناك مهنة اسمها بائع الصحف، رجل يقف في الشارع صباحا، يصرخ بعناوين تصلح لأفلام الرعب « الحادثة.. زلزال.. فضيحة »
فنشتري الجريدة بدافع الفضول، لنكتشف أن الحادثة الكبرى هي أن وزيرا افتتح كشكًا.
اليوم اختفى الرجل، واختفت صرخته، وبقيت الحادثة نفسها، لكنها أصبحت تطاردنا عبر إشعارات الهاتف، ونحن في الحمام أو على مائدة الطعام .
كانت الصحيفة في زمانها طقسا صباحيا لا يقل أهمية عن كوب الشاي. يشتريها الأب، يقرأ الصفحة الأولى، ثم يقلبها سريعا إلى صفحة الوفيات ليتأكد أن أصدقاءه ما زالوا على قيد الحياة، ثم يتركها للأم لتبحث عن وصفة جديدة في صفحة الطبخ، وللأبناء ليتصارعوا على الكلمات المتقاطعة. وفي نهاية اليوم تنتهي رحلتها المهيبة في مسح زجاج النوافذ أو لف أقراص الطعمية الساخنة. كانت مشروعا عائليا متكاملا لإعادة التدوير، قبل أن تصبح إعادة التدوير مصطلحا رائجا.
وكانت لها رائحة خاصة، رائحة الحبر الذي يطبع على أصابعك، فتخرج من قراءة مقال عن الاقتصاد وأنت تبدو كمن قضى الصباح في إصلاح محرك سيارة. ومع ذلك كنت تشعر بشيء من الفخر ، فأنت تحمل جريدة، وهذا وحده كان كافيا ليمنحك هيئة المثقف، حتى لو كنت تقرأ صفحة الرياضة فقط.
ثم جاء الإنترنت، ذلك اللص الظريف، وقال للصحيفة شكرا على خدماتك، سنأخذ كل شيء. أخذ الأخبار والمقالات والكلمات المتقاطعة، وحتى صفحة الوفيات انتقلت إلى مجموعات العائلة على واتساب. ولم يكتف بذلك، بل منحنا الأخبار مجانا وعلى مدار الساعة. فلماذا أدفع ثمن جريدة لأعرف ما حدث أمس، بينما أستطيع أن أعرف ما يحدث الآن، وما قد يحدث غدا، وما لم يحدث أصلا
كانت الجريدة تخبرك أن زلزالا وقع بالأمس، أما الهاتف فيعرض لك مقطعا من موقع الحدث، وتعليقا من خبير، ورأيا من شخص لا يعرف الفرق بين مقياس ريختر ودرجة حرارة الفرن، ثم يمنحك فرصة المشاركة في تحليل الكارثة.
حاولت الصحف أن تتمسك بالحياة، فرفعت عناوينها وكتبت « انفراد بالصور »، ونحن نعيش في زمن يستطيع فيه طفل في الثانية عشرة أن يبث الحدث مباشرة من موقعه. وحاولت أن تقول لنا اقرأوا التحليل العميق، بينما لم نعد نملك صبرا لقراءة نص يتجاوز مدة إعلان قصير أو مقطع ريلز.
وهنا تكمن المفارقة؛ كانت الجريدة تحترم عقلك، فتقول لك اقرأ وفكر وحلل، أما الهاتف فيحترم كسلك، فيقول لك لا تتعب نفسك، سأختصر لك الخبر، وأضع لك الخلاصة في صورة، وأرفق بها عنوانا صادما، وربما أضيف موسيقى حزينة لتكتمل التجربة. ونحن، بطبيعتنا، نميل إلى من يريحنا من عناء التفكير.
ولعل الصحيفة لم تمت لأنها أصبحت سيئة، بل لأن عاداتنا تغيرت. لم نعد ننتظر الخبر، ولا نمنح المقال وقته، ولا نبحث دائما عن الحقيقة بقدر ما نبحث عن شيء جديد يسرق انتباهنا. أصبحنا نمر على عشرات الأخبار في دقائق، ثم نعجز عن تذكر خبر واحد مما قرأناه.
ستمضي الصحف الورقية، وربما تصبح يوما ذكرى يتحدث عنها الآباء لأبنائهم، كما نتحدث نحن عن أشياء لم يعاصروها. وسيبقى ذلك الرجل الذي كان يضع الجريدة تحت إبطه ويمشي في الشارع كأنه يحمل شهادة دكتوراه. أما نحن فنمشي بالفخر نفسه، لكننا نحمله في جيوبنا، على شاشة هاتف مضيئة، مليئة بالأخبار الكاذبة
كانت الجريدة تترك الحبر على أيدينا، أما الهاتف فترك أثره في أعيننا التي لم تعد تنام.
وربما لم تكن الجنازة للصحيفة وحدها، بل لشيء من صبرنا على القراءة أيضا.
#ثقافة
#مجتمع
#مجتمع_عام
@المتابعون

44