أصالة التجديد وعتمة الانسلاخ
جاء في تعليقٍ للأستاذ صلاح الكبيسي على أحد نصوصي:
«يؤرقني الانحدار الثقافي والانسلاخ عن الهوية عند الكثيرين من أبناء هذا الجيل».
وهي إشارة توضع على الجرح مباشرة، فتفتح باب المساءلة وتستفز الفكر حول ما آلت إليه ذاكرتنا الثقافية.
إن هذا الانشغال يعبّر عن خشيةٍ مشروعة على المناعة الروحية لأمةٍ تُسلَبُ ذاكرتَها قطرةً قطرة في زحام العولمة الجارف. فالتخوف من الانسلاخ عن الجذور هو تحولٌ في المظهر وتنوعٌ في أساليب العيش واقترابٌ نحو اقتلاع بطيء للوعي. وحين يُفتَح الباب على مصراعيه لثقافة استهلاكية متدفقة، مع سياجٍ من التأمل والمساءلة، يتحول التراث في عين هذا الجيل من ينابيعَ حيةٍ تتجدد إلى متحفٍ مهجورٍ يُنظَر إليه بغربة. غياب المعرفة العميقة يترك العقول شريعةً لكل وافد، فتتآكل البوصلة، ويصبح الفرد كمن يسير بلا ظل.
غير أن السؤال الأشد حرقاً، والذي ينبغي أن يولد من رحم هذا الألم، هو: من يتحمل عبء هذا الاغتراب؟ وكيف تحولت الأصالة في نظر الجيل الجديد إلى مساحةٍ نائية لا تغري بالإقامة؟
ربما كان الانحدار الثقافي نتيجةً طبيعية لاستقالة الخطاب الأدبي والفني من مهامه التجديدية، حين انحبس أحياناً في الأشكال التقليدية الميتة وعجز عن مخاطبة الروح المعاصرة بلغتها ورمزيتها الحية. لقد تركنا الفراغ، وتولى الشارع الرقمي ملأه بأدواته المتسارعة.
إن الرهان الحقيقي لمواجهة هذا الانسلاخ لا يكمن في البكاء على أطلال الماضي، وفي ممارسة الوصاية الفكرية، بل في إعادة صياغة الهوية كفعل إبداعٍ مستمر. الهوية درعٌ من حديد يحبسنا في الأمس، وهي في الوقت ذاته شجرةٌ تمتد جذورها عميقاً في التربة لتطاول أوراقُها سماء المستقبل.
لن نحمي هذا الجيل بالمنع، بل بالإدهاش. حين يُقدَّم الموروث الثقافي واللغوي في قالبٍ جمالي رفيع، يفيض بالحياة ويشتبك مع قضايا العصر الحارقة، سيجد الفكر مأواه الحقيقي، وسيتلاشى الانسلاخ تلقائياً أمام سحر الانتماء الواعي.
أن يُؤرقنا هذا الانحدار، معناه أن جمر المسؤولية لا يزال يتقد في ذواتنا. والصيانة الفكرية للهوية هي المعركة الأبقى، لأنها الحصن الأخير الذي يحمي ملامحنا من التلاشي.
#مجتمع #أدب #حليمة_المجاهد
@المتابعون

144