رسالة من البحر..
أشعلت أنوار المنارة ووجهتها نحو البحر جيدًا.
ليلة مظلمة بلا قمر، وتحت جنح الظلام.
هنا بحر عاشق، اشتاق لليابسة فهو في عناق مع الصخور.
لا يُسمع سوى أنين شوقه وهو يرتطم بها، ثم يختفي الصوت ليعود مجددًا أقوى.
لكن البحّارة لا يعلمون بجنون البحر هذه الليلة.
لا أعلم إن كان هناك أحد في البحر، لكنني سأحرص أن تبقى المنارة مشتعلة.
ليلة طويلة وصاخبة، لكن البحر الخجول بدا يهدأ شيئًا فشيئًا، لأن الشمس ستشرق.
أطفأت أضواء المنارة، ونزلت من السلم الحلزوني الذي يسبب الدوار.
هاهي الشمس تقبّل ثغر الأرض، وتحمّر السماء خجلًا.
طيور النورس تحلّق وتغني سعيدة، والموج يتكسر برفق على اليابسة، كأنه يتنفس.
أشياء كثيرة تلمع هنا، لكن رغم لمعانها ليس لها قيمة حقيقية: مجرد صخور وزجاج متكسر على الشاطئ يعكس ضوء الشمس.
يبدو أنني وجدت شيئًا… ماذا لو كانت رسالة حب في قنينة، أو ربما خريطة كنز ضاعت من قرصان، وجاء بها البحر إلى الشاطئ.
أمسكت بالقنينة؛ كانت من زجاج بغطاء من فلين.
لا أستطيع رؤية ما بداخلها، لكن سأفتحها… تبدو كرسالة سنقرأها سويًا.
يقول فيها:
"لم أعد أعرف الوقت ولا التاريخ، فقد فقدت الإحساس بالزمن. ربما مضى عليّ عشرون يومًا وربما شهرًا، وربما أكثر.
ولا أعلم إن كنت سأنجو، أو إن المحيط سيلتهمني.
تحطمت سفينتي، وها أنا أطفو على ما تبقى منها.
ليس الجوع ما سيقتلني، ولا العطش، بل الخوف… المحيط مخيف جدًا في الليل، والسواد يحيط بي من كل مكان، أشعر وكأنه يبتلعني.
الصمت هنا صمت مخيف، كأنني في الفراغ.
كتبت هذه الرسالة لشعوري العميق بالوحدة، ولأني قررت الاستسلام،
وأقدّم نفسي قربانًا للبحر، فربما يزول الخوف.
بقلم: وليام.
أتمنى أن يكون اليوم الأحد، لأنني صليت كثيرًا لعلي أن أنجو من هذا الخوف."
انتهت الرسالة ..
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
لم أستطع تصور ما يشعر به، وليس بالإمكان إنقاذه.
مخيف كيف نشعر بالخوف والوحدة ونحن نعيش وسط هذا الكون، أن لا نُفتقد، أن لا يُسأل عنا، أن نموت ونحيا ولا يذكرنا أحد.
مُنى 🍂
#قصة_قصيرة #أدب #قصة #مجتمع
@المتابعون

36