كان المجلس واسعا بما يكفي ليجمع أهل القرية كلهم.
جلسوا متقاربين، تتلامس أكوابهم، وتتبادل أيديهم قطع الخبز، حتى إن أحدهم لم يكن يعرف أين تنتهي يده وأين تبدأ يد جاره.
ثم فتح أحدهم فمه وقال جملة صغيرة.
لم تكن الجملة طويلة... لكنها سقطت في منتصف المجلس كحجر في بئر.
انحنى بعضهم ليرى قاعها...
ووقف آخرون ليدافعوا عن شكلها...
بينما أخذ فريق ثالث يقيس عمقها بمسطرة من الكلمات.
بعد قليل...
ظهرت خطوط على الأرض.
كلما قال أحدهم كلمة، امتد خط بينه وبين جاره، حتى انقسم المجلس إلى طاولات صغيرة، لكل طاولة لونها واتجاهها وحقيقتها الخاصة.
كانوا يتحدثون بصوت مرتفع، لكن الغريب أن أحدا لم يعد يسمع الآخر.
لم يعد أحدهم يكمل جملة الآخر، وإنما صار كل واحد يقطع جملة جاره بجملته.
حاول صاحب البيت أن يعيدهم إلى المائدة، فوضع الخبز في المنتصف، فإذا به ينقسم إلى قطع متساوية، ثم تنمو بين القطع جدران صغيرة.
قال لهم:
لقد أعددت هذا المجلس لنجلس معًدا، لا لنبني فيه حدودا.
ضحك أحدهم وقال:
نحن لم نختلف، نحن فقط نريد أن نثبت أننا على حق.
وفي آخر الليل...
غادر الجميع وهم يحملون كلماتهم معهم.
بقيت المقاعد فارغة، والأكواب نصف ممتلئة، والخبز باردا.
أما صاحب البيت... فظل يبحث عن الباب الذي دخلوا منه معا.
لكنه وجده قد انقسم إلى أبواب كثيرة، وكل باب يحمل لافتة تقول:
من هنا يدخل الذين يشبهوننا.
ومنذ تلك الليلة... لم يعد المجلس يتسع لأحد.
#مجتمع
#سريالية #ثقافة_الحوار #أدب
#غواص_المعاني
أغوص في بحر القراءة... لأعود بدرة.💎
@المتابعون

59