ما وراء القناع
في أعمق أزقة الوجود، حيث تتوارى الحقائق خلف سدل من الغموض، يتحرك الإنسان بين ظلال لا تصرح بأسمائها، وأسرار تكتمها الصدور وتخشى الإفصاح عنها. ليس كل ما يظهر على السطح يعبر عن حقيقة القاع، فالأرواح غرف مغلقة، لكل منها مفتاح ضائع لا يعلم مستقره إلا من أدرك سر الصمت واعتاد مراقبة الغياب.
إن العقول السطحية تنخدع ببريق الألفاظ وتثق برسمية المشاهد، بينما الأرواح الغائرة في التأمل تدرك أن النص الحقيقي يكتب بين السطور لا فوقها. هناك في المساحة المعتمة بين القول والفعل، تكمن دوافع غامضة تحرك الأحداث وتغير مجاري القمم، دوافع لا تدركها الأبصار المجردة، بل تستشفها البصيرة الواعية التي لا تتسرع في إطلاق الأحكام ولا تسقط في حبال الظنون الظاهرة.
ما أكثر الذين يسيرون بين الناس بأقنعة من البهاء، يحملون في داخلك عوالم لا يشعر بها أحد، ورموزاً تعجز اللغات عن حل شفراتها. إن التعامل مع الحياة بظاهرها دون النفوذ إلى أغوارها يشبه الإبحار في سطح المحيط دون الغوص في أعماقه، حيث اللآلئ المخبأة والأسرار الدفينة التي لا تتكشف إلا لمن يملك جسارة التفكير وعمق التأمل.
فلنكن من أولئك الذين يقرؤون الصمت قبل الكلام، ويستدلون بالظلال على موقع الضوء، فالحقيقة لا تبوح بكامل سرها إلا لمن أتقن الصبر على فك رموزه والوقوف على حافة المسكوت عنه.
#لآلئ_اليوم #اللغة_العربية #عربية_وافتخر #مجتمع
5