شُحُوبُ الوَعْي
يَا لَيْلُ، مَا نَفْعُ التَّخَفِّي؟ كُلَّمَا
أَخْفَيْتُ نَفْسِيْ، خَانَنِيْ وِجْدَانِيْ
فِي النُّوْرِ أَلْبَسُ فَرْحَةً مَكْذُوْبَةً
وَإِذَا خَلَوْتُ، تَسَاقَطَتْ تِيْجَانِيْ
وَالشَّمْسُ تَنْسِجُ مِنْ سَرَابٍ حُلَّةً
لِلزَّائِفِيْنَ.. وَتِلْكُمُ أَكْفَانِيْ
أَمْضِيْ «عَلَى قَلَقٍ كَأَنَّ الرِّيْحَ تَحْـ
ـتِيْ» بَاحِثاً فِي التِّيهِ عَنْ أَوْطَانِيْ
وَالنَّايُ فِي صَدْرِيْ يُرَتِّلُ حُزْنَهُ
شَجْوَاً، وَيَفْضَحُ كَذْبَةَ الأَلْوَانِ
وَأَنَا كَنَخْلِ البِيْدِ، أَشْمَخُ لِلسَّمَا
وَالجَدْبُ يَأْكُلُ رَوْنَقَ الأَغْصَانِ
يَا وَعْيُ، هَلْ شِخْتَ ارْتِيَاباً عِنْدَمَا
أَبْصَرْتَ زَيْفَ مَشَاعِرِ الإِنْسَانِ؟
كُلُّ الَّذِي نَجْنِيْهِ فِي صُبْحِ الرُّؤَى
«أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ» بِلَا حُسْبَانِ
فَإِذَا دَجَا اللَّيْلُ الطَّوِيْلُ تَسَاقَطَتْ
كُلُّ الدُّرُوْعِ، وَبَانَ مَا أَضْنَانِيْ
أَخْلُوْ بِنَفْسِي كَيْ أَرُمَّ شَتَاتَهَا
فَأَرَى الرَّمَادَ يَغُوْصُ فِي طُوْفَانِيْ
وَجْهَانِ لِيْ: وَجْهٌ يُجَامِلُ ضَاحِكاً
وَالآخَرُ المَكْسُوْرُ خَلْفَ لِسَانِيْ
نِصْفِيْ يُعَانِقُ فِي السَّمَاءِ نُجُوْمَهَا
وَالنِّصْفُ يَرْسُفُ فِي رُؤَى السَّجَّانِ
يَا مَنْ تَخَالُ النَّفْسَ جِرْمَاً تَافِهاً
«فِيْكَ انْطَوَى» هَذَا الوُجُوْدُ الفَانِيْ
شَقَّيْتُ صَدْرِي، لَمْ أَجِدْ إِلَّا الصَّدَى
يَرْتَدُّ بَيْنَ مَعَالِمِيْ وَزَمَانِيْ
عَانَيْتُ مِنْ عَقْلِيْ وَمِنْ حِدَقِ الرُّؤَى
فَالجَهْلُ عُذْرٌ، وَالنُّهَى أَشْجَانِيْ
تَتَكَشَّفُ الأَرْوَاحُ فِي غَسَقِ الدُّجَى
وَأَرَى بِأَنِّيْ قَاتِلِيْ وَالجَانِيْ
مَاذَا جَنَيْتُ مِنَ التَّمَاهِيْ غَيْرَ أَنْ
أَصْبَحْتُ لُغْزاً مُبْهَمَ العُنْوَانِ
حَتَّى مَتَى أَبْقَى غَرِيْبَاً هَا هُنَا
وَالأَرْضُ أَرْضِيْ، وَالمَكَانُ مَكَانِيْ؟
عروة الناسك