يوميات رجل على أبواب الرزق
أستيقظ قبيل صلاة الفجر بلحظات ، أتوضأ وأصلي الفجر، ثم أرتدي معطفي الذي يحميني من صقيع الصباح، وألقي نظرة أخيرة على زوجتي وأطفالي الصغار، أستودعهم الله وأغادر المنزل، فيما لا تزال السماء غارقة في عتمتها، والشمس لم تفصح عن وجهها بعد.
أمضي سيرا على قدمي نحو ساحة سيارات الأجرة، التي تبعد عن منزلي قرابة كيلومترين، أقطعها بقدمين أنهكهما الوقوف طوال النهار، حتى أصبحت كل خطوة فيهما عبئا أثقل من سابقتها.
أصل إلى عملي مع أول خيوط الشمس، وأبدأ يوما جديدا على إحدى بوابات شركة كبيرة، حيث تقتضي وظيفتي أن أظل واقفا، أراقب الداخل والخارج، وأسأل وأستجوب، وعيناي لا تفارقان حركة العابرين.
اثنتا عشرة ساعة أقضيها واقفا، بكل حواسي في حالة تأهب، لا أملك خلالها رفاهية الجلوس أو التقاط أنفاسي. تمر الساعات بطيئة، حتى يخيل إلي أن النهار لا يريد أن ينقضي، وأن عقارب الساعة تتعمد إطالة عذابي.
وحين ينتهي العمل، أعود إلى منزلي مثقل الخطوات، منحني الظهر، وقد استنفد التعب ما بقي في جسدي من قوة. تكون الشمس قد غابت، وتعاقبت بعدها ساعات المساء، حتى أعود وقد انقضى يوم آخر من عمري، لم أجد فيه متسعا لنفسي.
أدخل المنزل، ألقي السلام، يقدمون لي الطعام، ثم أمضي إلى غرفتي لأستسلم للنوم، استعدادا ليوم آخر يشبه سابقه. وهكذا تمضي أيام الأسبوع، في دائرة لا تنتهي من العمل والتعب والنوم، حتى أصبحت قدماي تخذلانني، وظهري يؤلمني من ضغط الفقرات على أعصاب ساقي، وكأن جسدي بدأ يدفع ثمن سنوات الشقاء دفعة واحدة.
أما راتبي، فلا يكاد يكفيني لتدبير شؤون حياتي
أعمل كل هذه الساعات، وأعود بكل هذا التعب، ثم أجدني عاجزا عن تلبية أبسط متطلبات أسرتي
أكثر ما يخيفني أن تخذلني صحتي يوما، وأن يعجز هذا الجسد الذي أحمله فوق طاقته عن مواصلة الطريق. أخشى أن يأتي صباح لا أستطيع فيه الوقوف، فأفقد عملي، ويصبح الجوع ضيفا أثقل من قدرتي على احتماله.
أنا رجل لم يبلغ الأربعين بعد، ومع ذلك أشعر أن سنوات عمري قد سبقتني كثيرا، وأن جسدي كبر قبل أوانه.
ما أقسى أن يقضي الإنسان عمره واقفا كي لا يسقط أبناءه، ثم يكتشف أن راتبه لا يكفي لإسنادهم، وأن صحته التي يبيعها كل يوم هي الشيء الوحيد الذي لم يعد يملك سواه.
إنني لا أخشى التعب بقدر ما أخشى نهايته، أن أمد يدي يوما طلبا للحاجة، بعدما قضيت عمري أمد يدي بالعمل، وأعود إلى بيتي محملا بما تبقى من كرامتي
أخشى أن يأتى يوما لا أحمل لأطفالي سوى العجز والاعتذار
#يوميات
#مجمتع
@المتابعون

31