الفخ
صباحُ العمل. أستيقظ بصعوبة، ومشاهدُ أحلامي لا تزال مبعثرةً في دماغي، أحاول تجميعها دون جدوى؛ إنها تتلاشى كما يتلاشى السراب. أمسك بهاتفي وأنظر إلى الساعة: السابعة صباحًا. أرتدي ثيابي بسرعة، وأبتلع كوب قهوة، وأركض لألحق بالقطار.
أبغض هذا الروتين اليومي القاسي، الذي لا يترك لي فرصة لأستوعب أنني استيقظت، حتى أجد نفسي قد بدأت في إنجاز وظيفتي، أكرر العمل نفسه، والعبارات نفسها، والوجوه نفسها.
زميلي في المكتب الذي يتشاجر طوال الوقت مع زوجته، وعطر الآنسة مريم الذي يمشي وراءها حيثما ذهبت، وهو من النوع الرخيص؛ وكمال، ذلك الكهل الرديء الذي لا أحبه، يمارس علينا جميع عقده النفسية، وهو أقرب إلى كبير العبيد منه إلى رئيس مصلحة؛ وعمر الذي يشي بكل شيء؛ ومنذر الذي ينتقد الحكومة في كل وقت.
لا أدري كيف قبل الإنسان الحداثي أن يُنتزع كل يوم من فراشه، بغضّ النظر عن الأحوال الجوية، وبغضّ النظر عن حالته النفسية، وبغضّ النظر عن رغبته الشخصية، ليقضي ثماني ساعات من نهاره في تكرار العمل نفسه في المكان نفسه، ثلاثين عامًا من حياته على الأقل، دون احتساب الساعات الإضافية التي تلاحقه إلى وسادة نومه.
إن الإنسان البدائي الذي عاش في الطبيعة العذراء لم يكن يُعذَّب بهذه الطريقة كل يوم من أجل تحصيل قوته اليومي، ولم يكن يدفع ثلاثين سنة من حياته من أجل تأمين شيخوخته.
أنا لا أحب هذا العالم الحديث، ولا أحب الحضارة. أريد أن أعود إلى الطبيعة، أريد أن أعيش في كوخ بسيط، أستلقي تحت شجرة بلوط، وآكل حتى التخمة، وأتزاوج مع إناث عشيرتي، وكل همّي ذلك النمر الذي يترصّد لي بين الأحراش. لكنني الإنسان، أذكى كائن في الغابة؛ لقد نصبتُ له فخًّا، وسيقع عمّا قريب. #مجتمع #لآلئ_اليوم @المتابعون
44