بـورصة الخـراب
في الظهيرة، حيث ترتفع أسعـار الانهـيار في السـوق الحـرة للـروح، يتوافـد النـاجون لبيـع ما تبقي من تعبهـم اليـومي على شاشـات البورصة الحـمراء؛ حيث تشـتعل الأرواح هـناك كأعـقاب سجائـر ملقاة في عـفن الأمـس، وبـدلًا من أن يورث الإنـسان ابنـه ملامحه، يتـرك لـه مؤشراً مـالياً لهبـوط الأسى وارتفاع سعـر الطمأنينة المغشوشة.
الواقفون هـنا يرتدون خُـرقاً من رغـبة مكسورة، ويتفاوضون على شـراء أحـلامٍ بالتقسيط المـأجور تضمن لهـم أن يناموا طـوال اللـيل بلا كوابيس مفترسة.
وفي تلك المسـلخ المـعلق من جماجم الأرق، يقتـلع أحـدهم «شهـيقاً» نسي طريقة البـكاء، ليعرضه في المـزاد العلـني مقابـل تخفيضات على النـسيان، بينما يتسابق آخـرون على شـراء «ذاكـرة طفـولة» معطوبة تعفيهم من وزر مواجهة الـوجوه الميـتة؛ وتعلوا أصوات السماسرة فـوق جـثث المعاني كأنهم يبيـعون خـردة عتيقة في سـوق المـوتى.
يرتـفع سعـر الغبـاوة المقـدسة في مخاضات التـداول، بينما يتفسخ جـوهر الـدمع في مسـتنقع اللـذة؛ وهناك، بين غـابة الأكـفان، يمـشي كـائنٌ بلا وجـه يقتـلع عـروقه الملغومة ليقذفها في حشود العمـيان كأوسمة من عظـامٍ منحوتة، لكي لا يعـثر المـوت على أثـره إن فتـش في الـذاكرة.
فالكل يتمرغون على شوائب البورصة، امتثالاً لـكسر أضـراس الـدهشة، ليقـتنوا أغـطية طمأنينة مُتـفحمة ينخـرها طـاحون الحـقيقة، لكي يعبروا اليـوم دون أن يخدشهم صـوت المعـنى الموجـع.
وعند جـرس الإغـلاق، يخـرج البـائعون بجيوبٍ ممتـلئة بالـوهم، وأعيـنٍ تقطر عتـمةً على حـد السكـين، يتقايشون فضـلات المـزاد بينما تتساقط أدمغتهم قـطعاً لحمية في طـين الممـرات.
أي ركـن من المـوت تختاره لتـسترد وجـهك الهـارب؟
#يتبع
كتالوج الكائنات القابلة للاستبدال
(الجزء الثاني)
_____________
#وسام_طيارة_السوري #فلسفة #كتبي #بورصة_الخراب #أدب #ثقافة @المتابعون #لآلئ_اليوم

52