✨الورقة الأخيرة✨
في بيت صغير على طرف المدينة، كان يعيش رجل تجاوز الثمانين من عمره.
كل صباح يفتح باب بيته، ويجلس على كرسي خشبي قديم يراقب المارة، ويتأمل الوجوه العابرة حتى تغيب الشمس.
كان أهل الحي يسألونه باستغراب:
من تنتظر يا عم؟
فيبتسم ابتسامة شاحبة ويقول:
أنتظر اعتذاراً
فيضحك بعضهم، ويظن آخرون أن الوحدة أفسدت ذاكرته، لكنه كان يتذكر كل شيء حتى الكلمات التي قيلت قبل ثلاثين عاما، وكأنها قيلت بالأمس.
كان يتذكر أنه أفنى شبابه في تربية أبنائه الثلاثة عمل نهاراً وليلاً وحرم نفسه أشياء كثيرة حتى لا يشعروا يوما بأنهم محرومون.
كان يظن أن تعبه سيكبر معهم محبة وأن البيت الذي بناه بيديه سيظل ملجأه حين يضعف به العمر.
لكنه في يوم لم ينسه، جلسوا جميعا حول مائدة واحدة وانتهى حديث عادي بخلاف قاسي.
قال ابنه الأكبر غاضباً أمام الجميع:
أنت لم تفعل لنا شيئاً سوى أنك أنفقت علينا، وهذا واجبك!
وأضاف الأوسط:
أنت السبب في كل ما فشلنا فيه لم تترك لنا فرصة لنعيش كما نريد!
أما ابنته الصغرى التي كان يحملها في قلبه أكثر مما تحمل الأرض من أشجار، فقالت وهي تدير وجهها عنه:
ليت لي أباً يفهمني!
لم يرد الرجل.
نظر إلى وجوههم طويلاً، كأنه يراها للمرة الأولى، ثم نهض بهدوء ودخل غرفته.
في تلك الليلة، لم ينم.
ظل يتأمل صورهم القديمة ويتذكر أصواتهم وهم صغار حين كانوا يتسابقون إلى حضنه، ويتشاجرون على من يجلس بجواره.
وفي الصباح، جمع بعض ثيابه في حقيبة صغيرة وترك البيت.
لم يغادر لأنه توقف عن حبهم، بل لأنه لم يعد يعرف كيف يبقى في مكان يشعر فيه أن وجوده عبء.
قال لجاره قبل أن يرحل:
سأترك لهم البيت، وأترك لهم الأيام لتعلمهم ما عجزت كلماتي عن تعليمه.
ومضت السنوات.
تزوج الأبناء وانشغل كل واحد منهم بحياته، وأنجبوا أطفالاً وكبروا في بيوتهم الجديدة، لكن لا أحداً يطرق باب الرجل
ليسأله: كيف حالك يا أبي؟
أما هو فاستأجر بيتاً صغيراً على طرف المدينة، وعاش على معاشه القليل محتفظاً بصور أبنائه ورسائلهم القديمة.
كان يفتحها كل مساء، ثم يعيدها إلى درج خشبي وكأنه يخشى أن تنسى الذاكرة ما لم ينسه القلب.
وذات عصر، توقفت سيارة أمام بيته.
نزل منها رجل في الخمسين من عمره يمسك بيد طفل صغير.
اقترب الرجل، وجلس بجواره دون أن يتكلم.
التفت إليه العجوز وسأله:
هل تائه يا بني؟
أجابه الرجل بصوت مرتجف:
بل جئت أبحث عن أبي.
ابتسم العجوز وقال:
وهل تعرف أين تجده؟
انحنى الرجل وأمسك بيد العجوز ثم قال:
أجده أمامي إذا كان لا يزال يقبل أن يراني.
تأمله العجوز طويلاً ثم ارتجفت شفتاه:
أنت ابني؟
أومأ الرجل وانهمرت دموعه.
نعم يا أبي أنا ابنك الذي تأخر ثلاثين عاماً.
لم يسأله الأب لماذا تأخر، ولم يعاتبه على سنوات الغياب.
ظل ينظر إليه، كأنه يحاول أن يستعيد ملامح الطفل الذي كان يركض نحوه كلما عاد من العمل.
ثم وقعت عيناه على الصغير الذي يقف بجوار أبيه.
سأله:
ومن هذا؟
قال الابن:
حفيدك يا أبي سميته باسمك، وكلما سألني عنك أخبرته أنك رجل عظيم، وأنني أخطأت في حقك خطأ لن يمحوه العمر.
ثم انحنى الابن، ووضع رأسه على ركبتي أبيه، وبكى كما لم يبك منذ كان طفلاً.
وقال:
سامحني يا أبي كنت أظن أنني سأجد الوقت دائما لأعتذر، حتى اكتشفت أن العمر يمضي، وأنني كلما كبرت ازددت فهماً لقلبك، وازددت ندماً على ما فعلت.
وضع الأب يده المرتجفة على رأسه، ومسح شعره كما كان يفعل قديماً.
وقال:
سامحتك يا بني منذ زمن، لكنني كنت أتمنى أن تعود قبل أن يصبح الشوق أثقل من قدرتي على الاحتمال.
ثم نظر إلى حفيده وقال:
اقترب يا صغيري، دعني أرى فيك كيف صار ابني أباً.
ضحك الطفل، وارتمى في حضنه.
وفي تلك اللحظة، شعر الرجل العجوز أن البيت الذي هجره منذ ثلاثين عاماً قد عاد إليه، لا بجدرانه وأثاثه، بل بأصوات أبنائه في ضحكة حفيده.
وفي المساء، عاد الأب مع ابنه إلى البيت القديم.
وقف عند الباب طويلاً، مرر يده على مقبضه، ثم التفت إلى ابنه وقال:
كنت أظن أنني أنتظر اعتذاراً، لكنني اكتشفت أنني كنت أنتظر أن تفهم ما معنى الأبوة، وأن تعرف كم يمكن لكلمة واحدة أن تهدم قلباً بناه الحب طوال العمر.
وفي تلك الليلة، نام الأب في غرفته القديمة، بينما جلس ابنه بجواره ممسكاً بيده، خائفاً أن يغمض عينيه فيجده قد رحل.
وقبل الفجر بقليل، استيقظ الابن على سكون غريب.
كان أبوه قد رحل بهدوء، وعلى وجهه ابتسامة مطمئنة.
وبجوار وسادته وجد ورقة صغيرة كتب فيها بخط مرتجف:
لم أعد أنتظر اعتذاراً يا بني.
لقد عدت وهذا يكفيني.
كنت أخشى أن أموت غريباً عنك، لكنني رحلت وأنا أبوك وأنت ابني من جديد.
احتضن الابن الورقة وبكى طويلاً.
لقد جاء ليعتذر، لكنه أدرك متأخراً أن بعض الاعتذارات لا تعيد الزمن ولا تمنحنا فرصة ثانية مع من نحب.
تمت
@المتابعون
✒️قلم لا ينتظر التصفيق
♥قلب يعطي ليشبه نفسه
#مجتمع #مجالس_مجتمع #أدب #فلسفة

78