مسـلخ الهويـات
على طاولات رخامية مسفوعة برائحة العـفن المكرر، يستوي الطـابور الأخير من الساقطين في فـخ الـوعي، مترقبين دورهم لتعديل المصانع في ورشـة تخليق الهـوية القياسية؛ حيث تتكدس الوجـوه المستعملة في أقفـاص حديدية معـلقة كـالذبـائح، مرقـمة بباركودات الدمـوع المجففة.
يتقـدم الكـائن مطـأطأ الـرأس، مخلوع الجـذور، ليضـع بقـايـا ملامح أبيـه وأمـه على منضدة الفحص، مستسلماً تمـاماً لمشرط الجـراح الآلي الذي يقـشط تجاعيد الصـدق البـشري، ويـزيل عن الجبـاه بقـع التـاريخ، لتستقر مكانها هيـاكل صفيح جـرداء ترضـع من ثـدي المـزاد بـدل دمـوع البـكاء.
هـناك، في طاحـونة هذا المخـتبر المظـلم، لا يُسمح للعـين أن تـدمع إلا وفـق جـدول زمني معـتمد، ولا يُتـرك للـذاكرة متـسع لتـعترف بـرائحة تـراب قديم أو وجـه حبيب غادرته الحـياة؛ فالـجميع هـنا يتسابقون لاختيار وجـه جـديد بـلا تـاريخ.
وجـه مطـابق لمواصفات القطـيع، يـسهل تـداوله في بـورصة الـوهم، ويضمن لصاحبه المـرور بسـلام عبـر بوابـات العـزلة دون أن يجرحه ومـض الـوعي، لكي يـثبت أوردة الطـاعة في دم العـبيد المبرمجين.
يتلقى المتسوقون وجوههم الجديدة في أكياس ورقـية مبـللة بلـعاب السماسرة، يرتدونها مسرعين كأغـطية واقـية من عاصـفة الـوعي، ويمـضون في شـوارع مُـسوَدة يتبادلون ابتسامات بـلا دم، متبخترين بخـراب حدقـاتهم، لتنهض الجـثة الواقـفة وتطـعم الأرواح المعروضة من ثـدي الـوجوه المستعارة.
وحين يـثبت الصـمغ على أبـدان الممسوخين، تتـساقط بلـخات الطـين على حدقـات بـاب المصـنع لتطحن ما تبـقى من عـظام الحكـاية.
أَتـعير وجـهك للـمزاد، أم تتـرك رأسـك للـذباب؟
#يتبع
كتالوج الكائنات القابلة للاستبدال
(الجزء الثالث)
_____________
#وسام_طيارة_السوري #فلسفة #كتبي #ثقافة
#مسلخ_الهويات @المتابعون #لآلئ_اليوم #أدب

164