المحكمة التي حاكمت يوم الأربعاء
في صباح لم يكن يشبه أي صباح، أُعلن في المدينة عن محاكمة عاجلة ليوم الأربعاء.
كانت التهمة ثقيلة:
سرقة أعمار السكان، والتسلل إلى أيامهم دون إذن، ثم مغادرتها تاركًا وراءه ساعات لا يتذكر أحد كيف قضاها.
جلس القاضي خلف منضدة من الرخام، وكان يرتدي ساعة كبيرة بدلًا من وجهه، وكلما حاول النطق تحرك عقرب الدقائق في فمه.
وقف يوم الأربعاء في قفص الاتهام، يرتدي معطفًا رماديًا، ويحمل في جيبه تقويمًا ممزقًا.
سأله القاضي: ـ
هل تعترف بالتهمة؟
قال الأربعاء: ـ
لا أفهم لماذا تحاكمونني وحدي، فقد كنت أمرّ ببيوتكم كما أمرّ بسائر الأيام، ولم يغلق أحد الباب في وجهي.
صاح المدعي: ـ
لقد سرقتَ من رجل ثلاثين عامًا!
التفت الأربعاء إلى الرجل، فوجده عجوزًا يحمل حقيبة مدرسية.
سأله القاضي: ـ
أين ذهبت سنواتك؟
أجاب الرجل: ـ
كنت أنتظر أن تتحسن الظروف.
دوّن القاضي الإجابة، ثم أمر بإحضار الشاهد الأول.
دخل يوم الأحد، وكان يجر خلفه طابورًا طويلًا من الموظفين.
قال: ـ
رأيته يمرّ كل أسبوع، لكنني لم أره يفعل شيئًا. كان الناس يبدؤون أعمالهم بتأجيلها إليه، ثم يودّعونها عند الخميس.
ثم دخل يوم الجمعة، وكان حافي القدمين، يحمل سجادة مطوية.
سأله القاضي: ـ
ماذا تعرف عن المتهم؟
قال: ـ
لا أعرفه جيدًا، لكنه كان يصل إليّ مثقلًا بأشياء لم يبدأها، ويطلب مني أن أكون أطول مما أنا عليه.
ارتبك القاضي، وخلع ساعته عن وجهه، فوضعها على المنضدة.
ثم استدعى الشاهد الأخير.
كان طفلًا صغيرًا، يحمل دفترًا أبيض، وفي يده قلم قصير.
سأله القاضي: ـ
ما اسمك؟
قال: ـ
لم يمنحني أحد اسمًا بعد.
أنا من الغد، وجئت لأشهد على الأيام التي تركتموها فارغة.
ـ وماذا تعرف عن الأربعاء؟
فتح الطفل دفتره، وأخرج منه ورقة عليها رسمة لمدينة بلا نوافذ.
قال: ـ
كان يمرّ بنا كل أسبوع، ويأخذ من كل بيت بابًا صغيرًا، حتى صرنا نعرف الطريق إلى أعمالنا، ولا نعرف الطريق إلى ما نحب.
ساد الصمت في القاعة.
نهض الأربعاء، وطلب أن يتكلم للمرة الأخيرة.
قال: ـ
أنا يوم واحد من أيامكم. تمنحونني أربعًا وعشرين ساعة، ثم تتهمونني بما تفعلونه داخلها.
أنتم الذين تملؤون صباحي بالانتظار، وظهري بالوعود، ومساءي بالأعمال المؤجلة.
وحين أرحل، تضعون اسمي على كل ما لم تنجزوه.
نظر القاضي إلى أوراق القضية، فلم يجد فيها اسمًا واحدًا للمتضررين.
سأل: ـ
ومن المسؤول إذن؟
لم يجبه أحد.
وفجأة، توقفت الساعة المعلقة فوق القاعة.
فتح القاضي فمه ليعلن الحكم، لكن الكلمات خرجت منه على هيئة تواريخ قديمة، وسقطت على الأرض مثل أوراق جافة.
حاول الحاضرون جمعها، فوجد كل واحد منهم تاريخ ميلاده بين قدميه.
أما الأربعاء، فقد خرج من قفص الاتهام، ووقف عند الباب.
التفت إلى القاضي وسأله: ـ
هل انتهت المحاكمة؟
أجابه القاضي: ـ
لم تبدأ بعد.
ابتسم الأربعاء، ومضى.
وفي اليوم التالي، نشرت الصحف خبرًا عاجلًا:
تأجيل محاكمة يوم الخميس، بعد أن تقدم بطلب رسمي للتقاعد، معللًا ذلك بأنه لم يعد قادرًا على حمل كل ما يتركه الأربعاء خلفه.
وكان أسفل الخبر إعلان صغير:
مطلوب شهود على الأيام التي عشناها فعلًا.
#غواص_المعاني
أغوص في بحر القراءة... لأعود بدرة.💎
#مجتمع #السريالية #أدب
@المتابعون

47