كُلَّ يَوْمٍ أُرَدِّدُ مَا قَالَهُ الْعَارِفُونَ:
عَنِ الْغَيْبِ،
وَالْكَشْفِ،
وَالْمُنْتَهَى،
وَالْأَبَدْ
مُذْ قَرَأْتُ كَرَارِيسَ شَيْخِي
بَنَفْسَجَةٌ نَبَتَتْ فِي ضُلُوعِي،
بِجُبَّتِهِ كَرْمَةُ الْعَاشِقِينَ
لَمَسْتُ عَنَاقِيدَهَا الْيَانِعَاتِ،
فَضَاقَتْ عَلَيَّ سِلَالُ الْجَسَدْ
أَنْتَ فَاكِهَةُ الْمُشْتَهَى،
وَدَمِي قَطْرَةٌ عَلِقَتْ فَوْقَ ثَوْبِ السُّكَارَى
لَكَ الْقَدَحُ الْمُسْتَبَاحُ،
وَلِي حِصَّةٌ مِنْ دِنَانِ الْمَدَد
وَلَنَا سَكْرَتَانِ: فَوَاحِدَةٌ لِلْحَوَاسِّ
وَأُخْرَى لِنُدْرِكَ فِيهَا انْعِتَاقَ الْمَجَاذِيبِ
نَحْو السَّمَاوَات
مذ أَيْقَظَ الْعَارِفُونَ حَنَاجِرَهُمْ بِالنَّشِيدِ
لَنَا وِجْهَةٌ
غَيْرَ أَنَّ الطَّرِيقَ تُمَنِّي الْخُطَى بِالْوَصُولِ
وَأَنَّ الطَّرِيقَةَ مُطْلَقَةٌ دُونَ حَدْ
بَيْنَ مَعْنَى الطَّرِيقِ،
وَمَعْنَى الطَّرِيقَةِ
فَاصِلَةٌ لِلْغِيَابِ
الَّذِي يَتَجَلَّى عَلَى نَزَوَاتِ الْكُؤُوسِ
وَلَيْسَ الْجِنَاسُ هُوَ الْمُعْتَمَدْ
فَالْجِنَاسُ: تَمَاثُلُ مُفْرَدَتَيْنِ مَعاً لِبَيَانِ التَّوَاطُؤِ
بَيْنَ الْغُرَابِ
وَبَيْنَ الْغُرُوبِ
وَبَيْنَ التَّعَاقُدِ
بَيْنَ الْعُقَدْ
هَكَذَا يَتَسَاوَى الْمَثِيلَانِ
كُلٌّ إِلَى ظِلِّهِ يَنْتَمِي فِي الصَّدَى، وَالصَّدَدْ
فَكَأَنِّيَ مُنْشَغِلٌ بِالْفَصَاحَة عَنْ كُلِّ سِرٍّ
وَبِالْبُدِّ عَنْ غَايَتِي فِي الْبَدَدْ
وَكَأَنّيَ مُحْتَشِدٌ بِالْمَكَانِ /
وبالممكنِ العرضيِّ
وما المستحيل سوى عدمٍ ثابت
يتناهى بيَ الجوهر الفردُ
يأتي ...
فيرجع ملتبسًا بالعدد
وَكَأَنَّ الهباء
-قَدِيماً- تَشَظَّى عَلَى جَانِبَيَّ
هباءٌ يُكَثِّفُ فِيَّ الْوُجُودَ/ يُقَلِّلُ فِيَّ الْعَمَاءَ
يُشَكِّلُنِي كَوْكَباً، نَجْمَةً، وَرْدَةً كَيْفَمَا شَاءَ
إِذْ لَسْتُ جِرْماً صَغِيراً
وَلَسْتُ الْمَجَرَّاتِ فِي وُسْعِهَا
إِنَّمَا قَبْضَةٌ مِنْ ظِلَالٍ،
وَكَانَتْ ظِلَالِيَ أَسْئِلَةً
وَالسُّؤَالُ الَّذِي لَا جَوَابَ لَهُ
كَانَ أَقْرَبَ لِي مِنْ سُدَى الْمُعْتَقَد
ما الفناءُ ؟
- خروج عن النص
- أو لحظة فاصلةْ
ما البقاء؟
- التباس المواقيت بالفكرة المشتهاة
وما المشتهى؟
- دهشة وذهول،
وما الوقت؟
- قبل الأجابة تنقلب الطاولةْ-
ثُمَّ يَنْحَسِرُ:
الوَقْتُ بِالرَّمْلِ
وَالرَّمْلُ بِالعُشْبِ
وَالعُشْبُ بِالنَّهْرِ
وَالنَّهْرُ بِالبَحْرِ
وَالبَحْرُ بِالزُّرْقَةِ المَاثِلَةْ
مَرَّةً قُلْتَ لِي:
كَيْفَ فَسَّرْتَ بِالبَحْرِ أَوْرَادَكَ المُنْتَقَاةَ
بَعِيدًا عَنِ الشَّيْخِ،
وَالقَافِلَةْ؟
لِي مَعَ البَحْرِ تَجْرِبَةٌ
شَاخَ مُنْذُ الطُّفُولَةِ مِثْلِي
وَلِي شَبَهٌ وَاضِحٌ مَعَهُ
فِي الخُرُوجِ عَنِ النَّصِّ ،
أَوْ فِي الدُّخُولِ إِلَيْهِ
فَفِي الحَالَتَيْنِ سَيُخْطِئُ بِالنَّصِّ -مِثْلِي –
وَبِالقَاعِدَةْ
لِي مَعَ البَحْرِ سِرُّ التَّلاَزُمِ :
بَيْنَ العَذَابِ
وَبَيْنَ العُذُوبَةِ/
بَيْنَ المِلاحِ
وَبَيْنَ المُلُوحَةِ/
بَيْنَ الخَسَارَةِ
وَالفَائِدَةْ
لِي مَعَ البَحْرِ أَشْيَاءُ أُخْرَى
وَلَيْسَتْ لَنَا رِحْلَةٌ وَاحِدَةْ
قُلْتَ لِي :
لَمْ تُفَسِّرْ لِيَ البَحْرَ بِالبَحْرِ
بَلْ طُفْتَ حَوْلَكَ بِاللُّغَةِ المُسْتَرِيبَةِ
أَيْنَ هُوَ البَحْرُ يَا ولدي؟
- ها هو البَحْرُ يَجْثُو عَلَى رُكْبَتَيْهِ
لِكَيْ يُدْرِكَ الغَرَقُ المُبْحِرِينَ
بِغَيْرِ عَنَاءْ
- هَا هُوَ البَحْرُ يَدْخُلُ فِي مِرْوَدٍ
كَيْ يُجَرِّبَ فِتْنَتَهُ
فِي عُيُونِ النِّسَاءْ
- هَا هُوَ البَحْرُ يُسْرِجُ خَيْلَ البُخَارِ
يُسَافِرُ فِي غَيْمَةٍ..
كَيْ يُفَتِّشَ عَنْ أَهْلِهِ فِي السَّمَاءْ
- هَا هُوَ البَحْرُ يَخْلَعُ أَثْوَابَهُ الزُّرْقَ
يَنْفُضُ عَنْهُ المُلُوحَةَ شَيْئاً فَشَيْئاً
لِكَيْ يَسْتَعِيدَ طُفُولَتَهُ
و يُجَدِّدَ سِيرَتَهُ الأَزَلِيَّةَ فِي لَحَظَاتِ الفَنَاءْ
لَمْ يَكُنْ غَيْرَ قَطْرَةِ مَاء
قلت لي :
كَيْفَ تَخْرُجُ عَنْ مَشْهَدِ الْبَحْرِ حُرّاً
شَفِيفاً إِلَى جِهَةِ الضَّوْءِ تَمْشِي
بِلَا زُرْقَةٍ
أَوْ زَبَدْ؟
- حين ينقسم الدربُ بين ثلاثة أمكنةٍ
• فمكانٌ سدى
• ومكان يسيل على الخطوات
• وآخر من خلفه قد جمدْ
ثم يَسْقُطُ عَنِّي جِدَارُ الزَّمَانِ:
• فَلَا أَمْسَ يَمْسِكُ كَفِّي،
• وَلَا غَدَ يَرْجُو سِوَايَ
أَنَا "الْآنَ" فِي حَضْرَةِ البحر: فَرْدٌ/ أحد
أَيُّهَا الشيخ،
يَفْلِتُ مِنْ قَبْضَتَيْكَ الزَّمَانُ/ التفاصيل مِثْلِي،
كِلَانَا سيرجع يوما ً إلى نقطة المنطلقْ
أَيُّهَا الشيخ ،
جَرِّبْ وَلَوْ مَرَّةً سَكَرَاتِ الغَرَقْ،
كُنْ صَدَى سُفُنٍ سَقَطَتْ
مِثْلَمَا الرَّمْلُ مِنْ سَاعَتِي المُوجِعَةْ
رُدَّ عَنْ وَجْهِيَ الأَقْنِعَةْ
وَتَعَالَ لِكَيْ نَتَبَادَلَ أَدْوَارَنَا بِامْتِيَازْ.
كَانَ يَنْقُصُنِي
– كَيْ أُعِيدَ مَلَامِحِيَ الأُولِيَّةَ – بَعْضُ المَجَازْ،
كُلَّمَا غَافَلَ الشُّعَرَاءُ القلقْ
أَيُّهَا الشيخ،
لَا تَرْتَبِكْ مِنْ عِتَابِ الأَصَابِعِ،
مِنْ حَصَوَاتِ الطُّفُولَةِ،
مِنْ زَوْرَقٍ،
أَوْ بَجَعْ،
كُلُّ شَيْءٍ هُنَا لَا يَشِي بِالفَزَعْ
أَيُّهَا الشيخُ،
ذَا جَسَدِي الهشُّ يَسْرُدُ قِصَّتَهُ لِلطَّوَاحِينِ،
يُكْمِلُ دَوْرَتَهُ الأَبَدِيَّةَ فِي جَسَدٍ آخَرٍ مُسْتَعَارْ
خُطْوَةٌ،
خُطْوَتَانِ،
ثلاث
تَعِبْتُ مِنَ القَلَقِ الدَّائِرِيِّ
كَمَا تَعِبَ الرَّأْسُ مِنْ قَدَحٍ يُسْتَدَار
هَكَذَا مَلَّ مِنِّي الدُّوَارْ
هَكَذَا يَرْتَمِي القَلْبُ فِي جَسَدِ العَاصِفَةْ،
مِثْلَ عُصْفُورَةٍ خَائِفَةْ،
وَيَدِي
لَمْ تَكُنْ غَيْرَ أَجْنِحَةٍ مِنْ غُبَارْ
قُلْتَ لِي :
دَعْكَ مِنِّي / مِنَ البَحْرِ
هَاتِ السَّفِينَةَ
عَالِيَةٌ حِكْمَةُ الخَضِرِ
لَيْسَ لَنَا دُونَهَا مُنْقَلَبْ
فَتَعَالَ، لِنَخْرِقَ أَزْمِنَةً مِنْ خَشَبْ
وَتَعَالَ
لِنَمْنَحَ هَذَا الجِدَارَ يَقِينًا
وَبَعْضَ شُجَيْرَاتِ حُبٍّ ، وَبَعْضَ ظِلَالٍ
إِذَا اتَّكَأَتْ صبوات العَذَارَى عَلَيْهِ
وَإِيَّاكَ تَسْأَلُنِي :
مَا السَّبَبْ ؟
«خَفِّفِ الوَطْءَ»
يَا ولدي،
رُبَّمَا نَسِيَ البحر أَقْدَامَهُ فِي الزِّحَامْ،
رُبَّمَا خَانَ بُوصْلَتِي الدَّرْبُ،
أَوْ،
رُبَّمَا لَمْ يَعُدْ ثَمَّ مُتَّسَعٌ لِلكَلَامْ.
----------------------