( قل يا ايها الكافرون (1) لا اعبد ما تعبدون (2) و لا أنتم عابدون ما اعبد (3) و لا انا عابد ما عبدتم (4)و لا أنتم عابدون ما اعبد (5) لكم دينكم و لي ديني (6))
لقد تعود الناس على أن يجلسوا في المقاهي: يتحادثون يتناقشون يذيبون السويعات الطوال بنكت طريفة او حكايات مثيرة او قصص غريبة.........او انك تراهم يتجاذبون أطراف الحديث حول احداث الايام العادية و مشاكل الحاضر المعيش في شتى مجالاته الحياتية : الاجتماعية- الاقتصادية- السياسية.......
- ما الحياة ، صديقي، قل لي ما الحياة ؟
- هه ! الحياة أن تعيش الحياة ! الحياة أن تحيا الحياة !
- الحياة اذن هي الحياة !
- الحياة هي الحياة ! الحياة هي الحياة هي الحياة هي الحياة..........
يذيب احد الرجال ( رجل كهل ليس بالصغير و لا بالكبير المسن) سيجارته يذيبها و هو يتمزق من داخله كما تمزق انامله السيجارة و فنجان القهوة بين يديه...... انه يكاد يتفجر غيظا و يتقطع حسرة و لوعة ثم نراه يرمي بجريدته اليومية ، التي وضعها على الطاولة - قبل قليل - يرمي بها جانبا شزرا برما بها كمن فاجاته افعى عظيمة او حية سامة.
لقد ظل جاثما في مكانه لم يبرح...... سيجارة بعد سيجارة.......و لا حياة لمن تنادي....... انه في مكانه لم يبرح.......في مكانه على كرسيه في المقهى......لا شيء غير الجلوس و السيجارة و السفر بمخيلته بعيدا بعيدا نحو اللانهاية اللاوجود........حتى ان مقلتيه لم تبقيا في محجريهما انهما تدوران و تدوران كما رقاص الساعة الحاءطية !
و عندما ازف الليل على نهايته و اشرف صاحب المقهى على اغلاق المقهى نهض صاحبنا متثاقلا و هو يجر قدميه كما يجر القتيل جثته و هي مجرجة بالدماء. ترى لم يعذب نفسه كل هذا التعذيب ؟! و ان لنفسك عليك حقا! ان لنفسك عليك حقا !
و نراه و هو يمشي و يمشي حتى يصل إلى حي عادي ثم عمارة عادية ثم إلى مدخل عادي ثم إلى درج عادي ثم إلى شقة عادية. يطرق الباب يفتح شاب يافع في مقتبل العمر تبدو عليه ملامح النخوة و الاباء . يدخل صاحبنا المنزل ثم يتدحرج شيءا فشيءا إلى أن يصل إلى سرير ليرتمي عليه ارتماء القتيل بل و يرمي نفسه رمية المشنوق او المخنوق او المخنوق!
كانت زوجته قد نامت . انها غارقة في نوم عميق ، و كان ابناؤه قد ناموا اشباله قد غرقوا في نوم عميق ، و لكن صاحبنا لم ينم . بيذ ان صاحبنا لم يستغرق في نوم عميق . لقد مضى ينظر إلى الحاءط بعينين جاحظتين ليرى بعيني مخيلته غادة فاتنة و هي ترفرف في ثوب العرس الابيض كالحمامة البيضاء.
عجبا ! عجبا ! انه يحتضنها بيدي الرغبة و يقبلها بشفتي الشعور و يضمها بصدر الخيال المجنح ! " تعالي ! تعالي ! تعالي ! "الي ! الي ! الي ! حياة ! حياة ! حياة ! زهرة عمري ! وردة روحي ! ما اروعك ! ما اروعك ! ما اروعك ! "
انه عمي عمار . عمي عمار رجل يبلغ من العمر خمسا و اربعين سنة ( 45 سنة) زوج و اب لاربعة ابناء ذكور . انهم اشباله : خالد و عمر و وحيد و سمير . اما زوجته فاسمها محبوبة . انها امراة ثرثارة همازة لمازة غمازة نمامة لا يعجبها العجب و فوق ذلك متكبرة على النعمة تكفر بالنعمة و تكفر بالعشير. انها ناقمة على حياتها معه :
- ماذا افعل ؟! هل اسرق ؟!
- فلتسرق كلهم لصوص كلهم مجرمون لكنهم يلبسون البدلة و ربطة العنق الفاخرة ( الكوستيما و القرافاطا).
- انا ؟! انا اسرق ؟!
- كن امعة و إلا فلا حياة لنا معا.
عندها يسارع إلى الاستنجاد بابناءه لكنهم يصيحون بصوت واحد : ان امنا على حق . المعيشة غالية و الي يقفز يعيش."
- " اسمعوا ، ابناءي ، ان المال ليس كل شيء في الحياة."
انه الجحيم الجحيم.......مسكين صاحبنا يعيش في جحيم ليس قبله جحيم و لا بعده جحيم ! كيف يفهم هذه الزوجة و هؤلاء الابناء أن السعادة الحقيقية في الحب و القناعة ؟ حاول ذلك مرارا لكنه فشل.
و امام هذا الفراغ العاطفي القاتل انصرف عمي عمار إلى حياة يناجيها كما يناجي روحه المرفرفة كالطاءر العجيب يناغيها كما يناغي صغيرته. لا شيء لا شيء لا شيء سوى مناداة حياة سوى التفكير في حياة عشق حياة حب حياة. " سوف اتمسك بك إلى آخر رمق .....سوف لن اتركك........سوف املكك...... سوف اتملكك......." ثم يتردد الصوت بداخله كالصدى " حياة ! حياة ! حياة ! حياة ! حياة ! حياة ! حياة !"
تراه حب الحياة المعشش بداخل نفسه كما يعشش العصفور الصغير في عش ابويه الحنونين ؟ تراه عشق الحياة ، الذي يتلبسه كما يتلبس العفريت صاحبه المجنون ؟ تراها تلك الرغبة المغروسة في نفوسنا : يجب أن نعيش يجب أن نحيا يجب أن نتمتع بالحياة و فقط الحياة و لا شيء غير الحياة ؟ تراه ماذا ؟ تراها ماذا ؟
في الصباح الباكر نزل عمي عمار و على غير عادته قصد متجرا فاخرا للملابس الرجالية الراقية . قام بشراء بدلة سوداء جميلة النقش و حذاء فاخر و ربطة عنق انيقة و بلحظة من الزمن كان قد بدل ملابسه. لقد ارتدى بدلته الجديدة و ها هو الان يمشي في الطريق العام قاصدا محل العطور ليكمل مشوار الشراء بزجاجة عطر ساحر زاده جاذبية على جاذبيته. هذا ، و لم ينس أن يعرج على مصفف الشعر ليبدو كما لم يبد من قبل بتسريحة جديدة جعلته يرجع بسنوات عمره ثلاثين سنة إلى الوراء.
و يتردد الصوت بداخله كالصدى " حياة ! حياة ! حياة !" ؛ و حياة هذه ليست سوى فتاة عادية . انها احدى جاراتهم لكنها امراة مميزة حكيمة حليمة و فوق ذلك رحيمة عطوفة تنزع إلى مساعدة الآخرين و الاخذ بايديهم . انها تسعى جاهدة للنهوض باكرا كل صباح للالتحاق بعملها في مصنع النسيج. انها متواضعة خدومة تساعد القريب و البعيد الصغير و الكبير تساعدهم بالعمل اليدوي و بالمال و بالكلمة الطيبة كذلك.
قل لي بربك قل لي كيف يصبر هذا الرجل ، الذي افتقد حنان الزوجة في بيته بيت الزوجية كيف يصبر على هذه الماسة الثمينة و لا يحاول أخذها لنفسه ؟! انه في حاجة إلى الراحة و إلى الدفء و إلى الرعاية و إلى الحنان .
" قليلا من الاهتمام من فضلكم !!!"
" قليلا من الاهتمام من فضلكم !!!"
اليوم يقف عمي عمار عند المدخل الكبير و بعينين كلهما اشعاع بالعشق الفياض ينتظر قدوم حمامته البيضاء ، و هو كذلك اذ هي مقبلة و كعادتها مطاطءة الراس من فرط الحياء.
- " كيف حالك ، عمي عمار ؟"
- " بخير الحمد لله !!!"
ثم تمتمت حياة بينها و بين نفسها :" أنه اليوم أنيق كما لم يبد من قبل !" ثم يقوم باعطاءها ورقة صغيرة و معها وردة حمراء جميلة :
- " من فضلك ، بنيتي ، ارسلت الي هذه الورقة لكنني عجزت عن فهم مضمونها فإذا لم يكن لديك مانع ايتني بحل اللغز و انا في الانتظار لست مستعجلا".
و بمجرد أن دخلت حياة بيتها حتى فتحت الرسالة و اذا بها تتفاجا بشيء لم يكن في الحسبان : ان عمي عمار يحبها و يتمنى أن تكون إلى جانبه إلى الأبد ؛ لانها صدر دافء مليء بالحنان و هو عطشان إلى هذا الحنان ، و هو يترجاها أن تفكر جيدا ؛ لأنه لا يستطيع التفريط فيها مهما كان . و كانت حياة تحبه كثيرا و تذكرت كيف كانت تقول في نفسها " ليتني اتزوج رجلا يشبه عمي عمار !!!", لكنها لم تتصور مطلقا أن الحلم سيكون جزءا من الواقع او هو الواقع بعينه.
بيذ ان عمي عمار و بمجرد أن وطءت قدماه عتبة باب منزله حتى كان لسانه قد عقد بداخله ، و كانت عيناه قد جحظتا ، و كان راسه قد تجمد ، و كانت قدماه قد شلتا فحمله ابناؤه و زوجته و مددوه فوق السرير. و بدل أن تحزن زوجته على حاله اخذت تصرخ و هي تقول :" عاش ما كسب مات ما خلى !!!" ؛ و هو ما زاد من حدة النوبة القلبية ، التي اصابته ، و كانت تتامله باستغراب كبير فهندامه الجديد قد أثار في نفسها الف سؤال .
أقبل الجيران مسرعين ، و اقبلت معهم حياة . اخذت حياة تطمءن عمي عمار على حالته و تقول له :" انها سحابة صيف !!!" لكن عمي عمار المقهور يمسك بيدها و يتاملها ثم يغمض عينيه لآخر مرة.
رجل مسكين قتله القهر النفسي . قتله الفقر العاطفي . قتلته اللامبالاة . بيته عامر بزوجة و ابناء لكنه فارغ من أسمى العواطف النبيلة.
1- كرهتك الف مره
سءمتك الف مره
2- و لن يبقى بقلبي
سوى الاهات مره
3- عشقتك بيذ اني
بقيدك لست حره
4- عيونك ساخرات
تهددني بضره
5- و تضحك كل حين
تفجر كل ذره
6- كاني لست شيءا
و ان ذقت الامرا
7- فمهلا ثم مهلا
فلست اعيد كره
8- كرهتك الف مره
سءمتك الف مره
فاتن فتاة جميلة المنظر بديعة الصورة ساحرة فاتنة .كان حلمها حلم كل فتاة تبحث عن فارس احلامها , الذي سيحملها على حصانه العجيب ليطير بها بعيدا ؛ فكانت تحلم كجميع الفتيات بالزواج و بناء عش صغير جميل.
لكن من هو هذا الرجل ، الذي تحلم بلقاءه ؟!
في سن الخامسة عشر من عمرها تقدم لخطبتها ابن عمها فرفضت رفضت بشدة و قالت :" هو قصير و انا اطول منه .لا ! لا ! مستحيل !!!".
في سن السابعة عشر من عمرها تقدم لخطبتها ابن خالها فرفضت رفضت بشدة و قالت :" هو فقير و انا اعشق الغنى. لا ! لا ! مستحيل !!!".
في سن العشرين تقدم لخطبتها ابن عمتها فرفضت رفضت بشدة و قالت :" هو صغير أصغر مني سنا . لا ! لا ! مستحيل !!!".
في سن الاربعة و العشرين تقدم لخطبتها ابن خالتها فرفضت رفضت بشدة و قالت ؛" هو اسير اسير الجهل و انا فتاة متعلمة. لا ! لا ! مستحيل !!!".
في سن الثلاثين تقدم لخطبتها ابن الجيران فرفضت رفضت بشدة و قالت :" هو زير زير نساء و انا فتاة عفيفة متعففة . لا ! لا ! مستحيل !!!".
في سن الثلاثة و الثلاثين تقدم لخطبتها زميل لها في العمل فرفضت رفضت بشدة و قالت :" هو مدير و انا قطب منافس . لا ! لا ! مستحيل !!!".
في سن الاربعين تقدم لخطبتها صديق اخبها فرفضت رفضت بشدة و قالت :" هو أمير يملك من المال الكثير ، و انا اميرة بتواضعي اعشق الوسطية ، و لا أقف إلا في الوسط عزيزة لا ذليلة . لا ! لا ! مستحيل !!!".
في سن الخامسة و الاربعين تقدم لخطبتها جار اختها فرفضت رفضت بشدة و قالت :" هو كسير كسير القلب لا يحلم بالانجاب عمره و انا امراة لا أملك غير عاطفة الامومة اخاف أن يصلب رغبتي على شجرة العقر فاضحي عارية من الامومة كما هي الشجرة عارية من الاوراق . لا ! لا ! مستحيل !!!".
في سن السابعة و الاربعين تقدم لخطبتها احد معارف عمها فرفضت رفضت بشدة و قالت :" هو كبير . انه شيخ كبير و انا فتاة عذراء احلم بلقاء حبيبي المناسب لي سنا لا الساقط الشعر و الاسنان. لا ! لا ! مستحيل !!!".
في سن الخمسين تقدم لخطبتها احد معارفها من جهة خالتها فرفضت رفضت بشدة و قالت :" هو سكير و انا امراة عاقلة لا أملك غير عقلي و اخاف أن يشبعني ضربا ، و يطعمني قهرا ، و يسقيني قهرا. لا ! لا ! مستحيل !!!".
في سن الخامسة و الخمسين تقدم لخطبتها احد معارف عمتها فرفضت رفضت بشدة و قالت :" هو قدير . انه متحجر القلب و له في اذلال النساء قدرة و تدبير ، و انا امراة ودود لا أملك غير قلبي .اخاف أن يصلبني على جذع شجرة العواطف فاضحي جرداء منها كما هي الشجرة العارية من الاوراق . لا ! لا ! مستحيل !!!"
.
في سن السابعة و الخمسين تقدم لخطبتها احد معارف خالها فرفضت رفضت بشدة و قالت :" هو شرير كم طلق من النساء و كم عذب من العذارى . لا ! لا ! مستحيل !!!".
و في سن الستين طرق بابها هادم اللذات و مفرق الجماعات ملك الموت ، الذي قبضته من حديد و احضانه هي القدر الاكيد !!!
لكانه فارس احلامها ، الذي طالما بحثت عنه و نادته باعلى صوتها و انتظرته طويلا !!!