التطفل
التطفل
الفضول في أصله قد يكون رغبة عابرة في المعرفة، لكنه حين يتجاوز حدود الأدب والخصوصية يتحول إلى شيء يشبه السوس الذي ينخر الخشب في صمت؛ لا يُرى أثره في بدايته، ثم لا يلبث أن يترك وراءه فسادًا لا يسهل إصلاحه، وليس كل من يسأل عنك محبًّا لك، ولا كل من يتتبع أخبارك حريصًا على مصلحتك؛ فبين السؤال الذي مصدره المحبة، والسؤال الذي تحركه الرغبة في التملك والسيطرة، مسافة واسعة لا يدركها الإنسان إلا بعد أن يكتشف أنه قال أكثر مما ينبغي.
هناك من يظن أن التطفل هو مجرد محاولة لمعرفة الأشياء، وأن المتطفل إنما يسأل بدافع الفضول لا أكثر، غير أنه قد يتجاوز مجرد المعرفة إلى محاولة غير مشروعة لاقتحام حياة الآخرين، وجمع تفاصيلها، وتكوين صورة دقيقة عنهم وعن ظروفهم وعلاقاتهم ونقاط قوتهم وضعفهم.
فالمتطفل لا يسألك دائمًا لأنه مهتم بأمرك أو خائف عليك، قد يسألك: إلى أين ستسافر؟ ومتى ستعود؟ وكم راتبك؟ وفيم تنفق مالك؟ وما خططك للمستقبل؟ ومع من تتحدث؟ ولمن تبوح بأسرارك؟ وكيف هي علاقتك بشريك حياتك؟ وما الذي تنوي فعله مع أبنائك؟ وما الذي يحدث في أسرتك؟ وما مشكلتك في عملك؟ وما الذي تفكر فيه هذه الأيام؟
وقد تبدو هذه الأسئلة، منفردة، عادية لا تستحق التوقف عندها، لكن خطورتها تظهر حين تتكرر وتتراكم؛ لأن الإنسان قد يعطي في كل مرة جزءًا صغيرًا من حياته، ثم يكتشف بعد زمن أن ذلك الشخص أصبح يملك عنه معلومات كثيرة، وربما أكثر مما ينبغي له أن يعرف.
لا يجمع المعلومات عبثًا دائمًا؛ قد يكون غرضه أن يستعملها في مجالسه، أو أن يقارن حياته بحياتك، أو أن ينقل أخبارك إلى غيرك، أو أن يبني من تفاصيلك رواية لا تعرف عنها شيئًا، وقد يكون أخطر من ذلك أن يكتشف من خلال حديثك مواطن ضعفك، والمشكلات التي تؤلمك، والأمور التي تخشى عليها، والأشخاص الذين تحبهم، والأشياء التي تطمح إليها، ثم يحتفظ بكل ذلك حتى تأتي لحظة يستطيع فيها أن يستعمل ما عرفه بطريقة لم تكن تتوقعها.
وهنا تكمن خطورة التطفل: أن المتطفل قد لا يحتاج إلى أن يعرف حياتك كلها دفعة واحدة؛ يكفيه أن يأخذ منها كل يوم قطعة صغيرة. مرة يعرف شيئًا عن عملك، ومرة عن علاقتك بشريكك، ومرة عن مشكلاتك العائلية، ومرة عن أبنائك، ومرة عن مشاريعك المستقبلية، ومرة عن شخص تثق به، ومرة عن أمر تخشى وقوعه. ومع مرور الوقت تتجمع هذه الأجزاء الصغيرة لتصنع صورة كاملة عن حياتك.
وقد تمنحه، من حيث لا تشعر، جزءًا من تفكيرك، وجزءًا من أسرارك، وجزءًا من مخاوفك، وجزءًا من خططك، حتى يصبح قادرًا على قراءة بعض تصرفاتك قبل أن تقوم بها. وإذا كان سيئ النية، فقد يحاول التأثير فيك من خلال ما عرفه عنك، أو استغلال ظرف تمر به، أو إفساد مشروع تخطط له، أو نقل كلمة إلى شخص آخر في الوقت الذي يعلم أنها ستؤثر في علاقتك به.
ولذلك فليس كل إنسان أهلًا لأن يعرف أخبارك وتحركاتك، وليس كل من يسألك عن شأن من شؤونك يملك الحق في معرفة الجواب. فالخصوصية ليست غموضًا، والكتمان ليس نفاقًا، وعدم الإجابة عن بعض الأسئلة ليس تكبرًا؛ إنما هو حق طبيعي للإنسان في أن يحتفظ بجزء من حياته لنفسه.
وهناك فرق كبير بين من يسأل عنك حبًّا فيك، ومن يسأل عنك حبًّا في معرفة أخبارك.
الأول يسألك ليطمئن عليك، فإذا وجدك بخير اكتفى واطمأن، وإذا وجدك في ضيق حاول أن يعينك دون أن يحوّل ضعفك إلى حديث. أما الثاني فيسأل ليعرف، ثم يبحث عما وراء ما عرف، ثم يجمع التفاصيل، وقد يحملها إلى مجلس آخر، فيصبح ما كان بينك وبينه حديثًا خاصًّا مادة للحديث عنك في غيابك.
وقد يبدأ الأمر بالسؤال، ثم يتحول إلى المقارنة، ثم إلى التدخل، ثم إلى إصدار الأحكام، وربما ينتهي إلى الغيرة والغل والضغينة والحقد. وليس بالضرورة أن يظهر شيء من ذلك على وجه صاحبه؛ فقد يبتسم لك وهو يحمل عنك معلومات كثيرة، وقد يظهر لك المحبة وهو في الحقيقة يتتبع تفاصيل حياتك أكثر مما ينبغي.
لذلك ينبغي للإنسان أن يتعلم فن الإجابة كما يتعلم فن الكلام؛ فليست الحكمة أن تقول كل ما تعرف، كما ليست الحكمة أن تجيب عن كل ما تُسأل عنه. بعض الأسئلة يكفيها جواب مختصر، وبعضها لا يحتاج إلى جواب أصلًا، وبعض الأسرار لا ينبغي أن تخرج من صاحبها إلا لمن كان أهلًا لحملها.
فأنت حين تكتم خصوصيتك لا تعادي الناس، وإنما تحمي نفسك وتحمي علاقاتك وتحمي من تعاشره من سوء الفهم وسوء الاستعمال. وليس من حق كل من يسأل عنك أن يعرف أين تذهب، ولا ماذا تملك، ولا ماذا تخطط، ولا ما الذي يؤلمك، ولا من تحب، ولا ما تخبئه لأيامك المقبلة.
إن الخصوصية مسافة أمان، وهذه المسافة لا ينبغي لأحد أن يتجاوزها بغير إذن.
ومن الحكمة أن تعرف لمن تتكلم، وماذا تقول، ومتى تقول، وما الذي ينبغي أن يبقى لك وحدك. فالكلمة التي تخرج منك لا تعود إليك، والمعلومة التي تمنحها لغيرك قد تصبح في يده أداة لا تستطيع استردادها.
ليس المطلوب أن تشك في كل الناس، ولا أن تعيش منعزلًا عنهم، وإنما المطلوب أن تضع لكل إنسان حدوده، وأن تميز بين الصديق الذي يحفظك، والمتطفل الذي يستكشفك؛ بين من يسأل ليطمئن عليك، ومن يسأل ليعرف عنك؛ بين من يحمل سرك أمانة، ومن يحمله مادة للحديث.
فالإنسان العاقل لا يغلق قلبه أمام الناس، لكنه لا يفتح أبواب حياته كلها لكل عابر.
خصوصيتك ليست شيئًا زائدًا عن حياتك؛ إنها جزء من كرامتك، والكتمان في موضعه ليس خوفًا من الناس، فهي احترام للنفس، وحماية للحياة من أن تتحول تفاصيلها إلى أدوات في أيدي من لا يعرفون قيمة ما ائتمنوا عليه.
للاايمان الشباني

3 مشاهدة