«مأساة»
جاءت مسرعة إلى الحديقة العامة يسبقها صوت أنفاسها، جلست على المقعد الخشبي بقلقٍ شديد، مررت أصابعها المرتعشة فوق شقوقهِ المتناثرة، تحسست الشرخ الطويل على ظهر المسند، تساءلت هل أحبت هذه الشجرةُ يومًا ما؟!
هل انتظرت حبيبها طويلاً حتى تفطرَ قلبها مثلي؟!
لم هذه الحياة لا تحارب إلا العشق والعشّاق؟!
خصلة صغيرة شقراء فرّت من غطاء رأسها المزركش وراحت تتناثر مع الريح شعرةً شعرة.
أشعة المغيب تلون وجه الرصيف بضوئها الأحمر الشفيف، وحفيف الشجيرات يعزف أنغامًا حزينة حولها، نظرت إليها كانت امرأة نحيفة قد استندت على الأربعين عامًا، لها وجهٌ نحيل شاحب اللون، شرعت تجعدات الموت في غزوه، وأنفٌ صغير مستقيم وحاجبان دقيقان كذبابة السيف تضفي عليه نوعًا من الحدة.
دنوت منها ووقفت بجانبها أشرعت بصري إلى حيث تنظر، ظننتها تحدق بالشمس، سألتها أتحبين الغروب إلى هذا الحد سيدتي؟!
لم تَحر جوابًا أو لم تسمعني كأنني لست موجودًا بقربها أنا غلالة من ضباب، نزت الدموعُ من عينيها اللوزيتين الممتلئتين بالحزن، وبدأت شفتاها ترتعشان وتهذي بكلماتٍ لا ينظمها سلك معنًى غير أنها تهذي، أهي مصابة بالجنون؟!
كانت تخاطب شخصاً ليس موجودا تقول لهُ والدمع ينحدر من عينيها: منذُ عشرين سنة وأنا أنتظرك هنا، من عشرين سنة وقلبي يَتلهف لرؤياك أين كنت كل هذه المدة؟
ما الذي أبطأك عني؟
أما زلت تحبني؟
لا لا، أنت لم تحبني قط، إذا كنت أحببتني حقاً لَمَا تركتني هنا مكسورة القلب و...
حبيبي، تعال بجانبي، أمسك يدي أما تزال يداك دافئتان كعهدي بهما؟
أين كنت كل هذه السنين عني؟!
لا تذهب، لا تذهب، خذني معك لا تتركني وحدي.
سأذهب معك أينما تريد، لقد تخلوا عني جميعهم.. لم يحفلوا لدموعي، لم يمسكوا بيدي تركوني أعاني قسوة الشوق ومرارة الأيام.. و... حتى أنت تركتني!
انظر إلى زهرة شبابي التي تذوي، أما أزال جميلة كما تقول؟
أما زلت تحب النظر في عيني، وتقول لي: كم أنتِ جميلة.. هيا أخبرني... هل تحبني؟!
قلها لي أرجوك، أخبرني بالكلمة التي أحب سماعها منك فأشعر أنني صرت فراشة ترفرف في كل مكان.
أين أنت يا عزيزي، انتظرتك هنا طويلاً ولمْ تأتِ، أين أنت هل ستأتي؟!