محراب الشجن!
محراب الشجن!
مي صالح
هل من سبيل أضمّد جراحي؟..
وقد تاهت الروح بين الزمان فضلّت أنايا.
وكلما هدهد العمر ملامحي..
أيقنت كم نالت الأيام مني ولم تخدعني المرايا.
كم باسقامها الحياة عذبتني..
حتى تعجلت أنا المنايا.
أتصنع الفرح، والحزن يفتك فؤادي..
فيرميني كجسد حاصره المرض كالسحايا.
وكأن الشجن بات عاشقا لي..
ليلازمني كظلي طالبا الجبايا.
ليسجنني خلف قضبانه ويحاصرني..
في ضيمه بين أرضي وسمايا.
يغرقني بوهم حبّه مني..
كما يغرق الحبيب حبيبه بالهدايا.
يسلب مني عافيتي ويعاقبني..
كلما صمدت بما واجهته في محيايا.
يساومني أن أتخلي عن عزّة مطالبي..
فيجعلني ملكا له كالسبايا.
يقلب من الأوجاع نومي.. ويضرب بسوطه عمق الثنايا.
أبحث عمّن يحتوي أنيني..
فلا أجد سوى خذلان يرسو على شطّ الرجايا.
أفتش بين ركام عمري..
عن ذكرى جميلة توارت خلف الخفايا
فيا قلب اصطبر فالعمر يمضي..
إذا ما ضاقت الدنيا بالخبايا.
وفي دجى ليلي علا ليهيب جرحي...
فاستوطنت عتمة الشوق صميم الرزايا
ويحك كيف أبدلت حالي..
من بشاشة إلى روح تملؤها الشجايا.
أهكذا تقسين عليّ يا أقداري..
لجرم لم تقترفه يدايا.
وجهت وجهي إليك يا جابري..
يا من لم تردّني يوما بشكوايا
أزل الظلم عني.. فقد خارت من القهر قوايا.
أنت السند الذي في ظلّه احتمي...
لا كمن بكتفي بالأعذار والحكايا.
حين يُشهر الكاتب قلمه في وجه الفتنة
بقلم: مي صالح
ثَمّةُ أقلامٌ تكتب كي تُرى، وأقلامٌ تكتب كي تُسمَع، وأقلامٌ قليلة تعرف أن وظيفتها الأشدّ نبلاً أن تمنع بعض الحروف من أن تُرى تُسمَع أصلًا.
وهنا يبدأ امتحان الكاتب الحقيقي.
فالقلم ليس عودًا من حبرٍ يمرّ على الورق ثم ينتهي أمره؛ إنّه أثرٌ يمشي بعد صاحبه، وقد يدخل عقلًا لم يكن يعرف الفكرة، ويوقظ غضبًا كان نائمًا، ويفتح في جدارٍ اجتماعيّ شقًا لا تملك الكلمات بعد ذلك قدرةً على رتقه.
لهذا، فإن أخطر ما يمكن أن يفعله صاحب القلم ليس أن يكتب كلمةً خاطئة، بل أن يعرف خطر الكلمة ثم يمنحها الصفحة.
فالفتنة لا تأتي دائمًا مرتديةً ثوبًا مكشوفًا؛ أحيانًا تصلنا في هيئة سؤال، أو تعليق، أو خبرٍ ناقص، أو رأيٍ مشحون، أو حكايةٍ لا يُعرف أين تبدأ الحقيقة فيها وأين تنتهي الرغبة في إشعالها.
وتنتظر فقط من يفتح لها الباب.
وهنا لا يكون الكاتب مجرد ناقل.
يصبح حارس البوابة.
إمّا أن يقول للحرف: ادخل، فتدخل معه تبعاته؛ وإمّا أن يضع قلمه أمام العتبة ويقول: ليس كل ما وصلني يصل إلى الناس.
وهذه ليست رقابةً على الحقيقة، بل رقابةٌ على النار قبل أن تُسلَّم إلى يدٍ لا تعرف كيف تطفئها.
فالكاتب المسؤول لا يخاف من الحقيقة، لكنه يخاف أن تتحول الحقيقة إلى ذريعةٍ لإهانة إنسان، أو شقّ مجتمع، أو تأليب فئة على أخرى.
لا يخشى النقد، لكنه يخشى أن يتنكر التشهير في هيئة نقد.
ولا يهرب من الاختلاف، لكنه يعرف أن هناك مسافةً أخلاقية بين أن تختلف مع إنسان، وأن تدفع جمهورك إلى كراهيته.
ذلك هو الفارق بين من يملك قلمًا ومن يستحق القلم.
لقد أصبح بإمكان سطرٍ واحد أن يقطع المسافة بين هاتفٍ في يد كاتبه ومئات الآلاف من العيون خلال دقائق؛ ولذلك لم تعد مسؤولية الكاتب تقف عند حدود السؤال: هل ما أكتبه صحيح؟
بل تمتد إلى سؤالٍ أكثر قسوة:
ماذا سيفعل هذا الصواب حين أضعه في أيدي الناس؟
فليست كل حقيقةٍ تُقال بالطريقة نفسها، وليست كل معلومةٍ تُنشر في اللحظة نفسها، وليست كل مساحةٍ مفتوحة دعوةً إلى ملئها.
هناك كلماتٌ تحتاج إلى شجاعة نشرها، وهناك كلماتٌ تحتاج إلى شجاعة دفنها.
والكاتب الذي يستطيع أن يدفن حرفًا كان قادرًا على صناعة ضجيجٍ هائل، ثم يمضي دون أن ينتظر تصفيقًا؛ هو كاتبٌ انتصر لقيمته قبل أن ينتصر لصفحة.
أما أولئك الذين يطعمون صفحاتهم بما يثير الغضب، ثم يجلسون يتفرجون على الحريق من خلف الشاشة، فلا يكفي أن يقولوا: «أنا نقلت فقط».
فمن ينقل شرارةً إلى غرفةٍ مليئةٍ بالقش، ثم يقول: «لم أشعل النار»، لم يفهم معنى المسؤولية.
والكاتب كذلك.
قد لا يكون هو من صنع الفتنة، لكنه حين يمنحها عنوانًا، ومساحةً، وجمهورًا، ويدفع بها إلى واجهة المشهد، يكون قد منحها ما كانت تبحث عنه: منبرًا.
والمنبر أحيانًا أخطر من الفكرة ذاتها.
لذلك، ليس الكاتب العظيم من يستطيع أن يجعل منشوره حديث الناس فحسب؛ بل من يستطيع أن يجعل ضميره أقوى من إغراء أن يكون حديث الناس.
لا تغرّه كثرة التعليقات.
لا يستدرجه التصفيق.
لا يبيع هدوء المجتمع مقابل رقمٍ يرتفع على شاشة.
لأنه يعرف أن بعض الأرقام تُنسى، أما الجراح التي تصنعها الكلمات فقد تبقى في الذاكرة أعوامًا.
وهنا تحديدًا ينبغي أن يتسلح الكاتب بشيءٍ لا يُرى في يده:
بصيرةٌ تسبق حبره.
أن يقرأ النص قبل أن يقرأه القارئ.
أن يرى العاقبة قبل أن يرى التفاعل.
أن يسمع الصدى قبل أن يضغط زر النشر.
وأن يسأل نفسه، قبل أن يسأل الصفحة عن عدد المشاهدات:
هل أضيء بهذه الكلمة عقلًا، أم أوقظ فيها غضبًا؟
هل أفتح بابًا للحوار، أم أترك بابًا للخصومة؟
هل أخدم الحقيقة، أم أخدم شهية الجمهور إلى الإثارة؟
وهل سييبقى هذا النص محترمًا في عيني بعد أن تهدأ العاصفة؟
إن كان القلم سلاحًا، فليكن سلاحه الأول الامتناع عن إطلاقه حيث لا ضرورة.
وإن كانت الصفحة منبرًا، فليكن أول ما يقف عليه الكاتب هو ضميره.
وإن كان القارئ أمانة، فلا تجعلوه حقلًا لتجاربكم في صناعة الغضب.
أيها الكاتب...
لا تمنح الفتنة مقعدًا في الصف الأول ثم تطلب من الناس ألّا يصفقوا لها.
لا تضع الحطب في الصفحة ثم تكتب في أسفلها: نرجو عدم إشعال الحرائق.
ولا تجعل من قدرتك على إثارة الناس دليلًا على قدرتك على الكتابة.
فالكتابة ليست أن تعرف كيف تضغط على أكثر مواضع الوجع في الناس؛
الكتابة أن تعرف متى تقترب من الوجع، ومتى تضع يدك عليه دون أن تزيده نزفًا.
وقد يكون أنبل نصٍّ يكتبه الكاتب هو ذلك الذي لا يراه أحد.
حرفٌ حذفه لأن ضميره قال له: سيؤذي.
عنوانٌ غيّره لأن معناه قد يُفهم على غير مقصده.
منشورٌ أغلق صفحته بعد كتابته، لأنه أدرك أن انتشاره لن يضيف وعيًا، وإنما سيضيف خصومة.
تلك ليست هزيمة للقلم.
تلك هي لحظة انتصاره.
فالكاتب لا يُقاس فقط بما تركه من نصوص خلفه، بل أيضًا بما حال بينه وبين الناس من أذى.
وربما لا يعرف الكاتب أبدًا كم فتنةٍ أوقفها نصٌّ لم ينشره، وكم خصومةٍ ماتت لأن جملةً بقيت في مسوداته، وكم قلبٍ نجا لأن يده توقفت لحظةً قبل أن تضغط «نشر».
لهذا أقول:
حين تعبر حروف الفتنة أمام قلمك، لا تسألها: ماذا ستجلب لي؟
اسأل نفسك: ماذا ستترك خلفها؟
فإن كانت ستترك نارًا، فليكن قلمك أول مطفأة.
وإن كانت ستترك كراهية، فليكن حبرك حاجزًا بينها وبين القارئ.
وإن كانت ستبحث عن جمهورٍ لتغويه، فلا تكن أنت من يمنحها الجمهور.
فالقلم الذي يعرف كيف يكتب، موهبة؛
والقلم الذي يعرف ماذا يكتب، وعي؛
أما القلم الذي يعرف متى لا يكتب، فذلك ضمير.
وفي زمنٍ باتت فيه الفتنة تبحث عن أصابع تضغط زرّ النشر،
كن أنت الإصبع الذي يتوقف.
فليس كل صمتٍ عجزًا عن الكلام؛
بعض الصمت شجاعةٌ أنقذت كلامًا كثيرًا من أن يتحول إلى خراب.
مي صالح
كاتبة وقاصة واعلامية