صدام فاضل يكتب : كريستيانو طفل مدلل
عندما يعتزل كريستيانو، سيدخل في دوامة من التفكير، وربما يصاب بالتوحد أو العزلة، والسبب بسيط، لأن شخصيته لا تصلح للتدريب، ولن يكون مرغوباً إذا حاول خوض التجربة..
كريستيانو سيتجنب الجلوس على دكة واحدة لمشاهدة مباراة أو متابعة حدث كروي كبير مع ميسي وهنري ورونالدو وبيكهام وفيجو وزيدان، والسبب أنه يرى نفسه أعظم من الجميع، لكنه لا يثق في تلك الرؤية أيضاً، لأنه يتهيأ له دائماً أن الجلوس مع هؤلاء سيفسد صورته الأسطورية لأي سبب كان، وهو الذي يقارن نفسه بالآخرين.
مثل رونالدو مثل الشاعر الذي يسمي نفسه "شاعراً" وساعتها يفقد صوته ويصبح أضحوكة بين الشعراء؛ فالأسطورة التي تحاول تذكير الناس بأنها أسطورة، ستفقد بريقها منذ اللحظة التي تبدأ فيها بشرح ذلك اللقب النرجسي أو الانجرار في استحضاره دائماً.
في مونديال قطر، سجل كريستيانو رونالدو ضربة جزاء أمام غانا في دور المجموعات، ثم ذهب للاحتفال بطريقته الهستيرية، لأنه سجل هدفاً من مسافة الجزاء. أتذكر احتفاله المبالغ فيه، كيف جعلني أهمس -مازحاً- لصديقي الذي كان يجلس بجانبي:
"يحتاج هذا الرجل إلى بعض الثقل، ليستعيد توازنه الشخصي".
شعرتُ بامتعاض صديقي الذي قال لي بثقة وعتاب وعينين محمرّتين:
"دائماً تقول لي إنك ريالي، لكني كشفتك الآن لأنك تسخر من احتفالية الدون".
ضحكتُ، ثم واصلت المشاهدة وأنا أشعر بشيء من الشفقة تجاه صديقي الذي يشبه في تشدده المؤدلجين دينياً، وتجاه هذا الدون، الذي كان يحتفل بطريقة الطفل الذي يكتب اسمه لأول مرة، ثم يتقافز ليلفت أنظار والديه.
لا أنكرُ أني شجعتُ رونالدو لفترة طويلة، أقصد عندما كان في ريال مدريد، ولم أكن في تلك السنوات متابعاً جيداً لكل مباريات الريال، ولذلك فاتني اكتشاف بعض تفاصيل شخصيته التي بدأت تظهر لي لاحقاً.
كانت تلك المرة الأولى التي ألاحظ فيها هوسه بالصورة التي يصنعها عن نفسه، والمرة الأولى التي تصدمني فيها تلك الشخصية التي تبدو وكأنها تحتاج إلى هالة جماهيرية ولفت نظر.
بدأت أتوجس من نرجسيته التي لم تكن قد ظهرت بصورتها الكاملة آنذاك، لكنها -بالنسبة لشخص مثلي لا يفوتُ أي علامة غريبة في تكوين الشخصية- إشارة تستحق التوقف عندها، وإعادة النظر في الأسطورة التي يتخيلها عنه نصف سكان الأرض.
رونالدو لاعب عظيم بلا شك. وهذه أصبحت مشكلة بحد ذاتها، فالرجل فعل في كرة القدم ما يكفي ليبقى اسمه حاضراً في تاريخها لعقود طويلة، ولديه أرقام وإنجازات وبطولات وأهداف، لكنه يفتقد للروح الرياضية، ومحروم من التصالح مع الذات، لذلك عجز عن تلميع صورته والحفاظ عليها طوال مسيرته المتقلبة، وسنواته الأخيرة التي فقد فيها رزانته بعكس اللاعبين في جيله.
هناك فرقٌ بين أن تكون أسطورة، وبين أن تقضي بقية حياتك في محاولة التأكد أن الجميع لا يزال يعتبرك أسطورة.. وهناك فرقٌ بين أن تلعب كرة القدم لأنها عالمك وانتماؤك ومجالك، وبين أن تلعب لتحقيق أرقام قياسية وتتفوق على الآخرين.
في السنوات الأخيرة شاهدنا رونالدو قائداً للنصر السعودي، وللمنتخب البرتغالي، وتابعنا تراجع قدراته مقارنة بما كان عليه في ذروة مسيرته. ورأيناه يدخل في صراعٍ دائم مع زملائه وأزمته مع المدربين، ومجاراته للجماهير التي عرفت نقطة ضعفه، فهتفت له: ميسي ميسي..
لاحظنا كمية الانحطاط الأسطوري الذي أوصل صديقنا لحالة من البؤس والتردي الأخلاقي الذي قاده في مرات كثيرة للإشارة إلى قضيبه، وهي آخر محاولات الدفاع المستميت عن اسمه المصنوع بهوسٍ مفرط.
يتهيأ لي أنه بعد سنوات من اعتزاله، أنه سينتقل إلى جزيرة معزولة، وسيكون بصحبته طبيبه النفسي، يجلس بجواره وهو يمسك الريموت كنترول ليستعرض له أهدافه في شاشة عريضة، وكل يوم يقول له:
"أنت أسطورة، وأرقامك القياسية لم يتجاوزها أحدٌ إلى هذه اللحظة.. تستطيع أن تتناول طبقك الآن"
#صدام_فاضل
#كريستيانو_رونالدو #رياضة #البرتغال #خيسوس #النصر_السعودي #ريال_مدريد #ريال_تحكيم #نيغريرا #ميسي #برشلونة

13 مشاهدة
