من السياحة والاستطلاع إلى البحث والهداية.
ثمة كتب نقرأها فنزداد معرفة، وكتب أخرى نقرأها فنشعر أن شيئا في داخلنا قد استيقظ، وكتاب ( الأندلس: رحلة روحية في بلاد إسبانيا والبرتغال ) للأخ الكاتب الهولندي طارق ليوويستاين ( Rick Tariq Leeuwestein ) من هذا النوع الثاني، فهو لا يأخذنا إلى الأندلس بوصفها جغرافيا سياحية، ولا بوصفها متحفا مفتوحا لآثار المسلمين، إنما يأخذنا إليها بوصفها ذاكرة حية، وامتدادا روحيا وحضاريا ما زال يعبر الزمن.
وصلني الكتاب عبر البريد، فسعدت بوصوله إلي سعادة خاصة، فثمة كتب تصل إلى اليد، وكتب تصل قبل ذلك إلى القلب، وهذا الكتاب يحمل شيئا من الطريق الذي جمعني بصاحبه. ولعل أجمل مدخل إلى الكتاب هو فصله الأول:
الأندلس… حب بعيد، العنوان وحده يحمل مفتاح الرحلة.
فالأندلس، بالنسبة إلى طارق ليوويستاين، لم تبدأ يوم وصل إلى إسبانيا، وإنما #بدأت_يوم_غادرها.
وهذه العبارة تحديدا أعادتني، في لحظة لطيفة، إلى عنوان كتاب صديقنا الأديب الجميل عصام الهيشو #سكنتني_حين_غادرتها، في رحلته الحجازية إلى المدينة المنورة. العبارتان تلتقي فيهما الرحلة والحنين، مكان نغادره، فيبدأ بعد الرحيل سكنه فينا. كأن بعض الأمكنة تؤجل حضورها الحقيقي إلى اللحظة التي نبتعد فيها عنها، ثم تستوطن الذاكرة والقلب.
فالأندلس، بالنسبة إلى طارق لويستاين، لم تكن مجرد مكان عبره، وإنما صارت أثرا ينمو في داخله.
هناك في هولندا، أخذ شيء غامض ينمو في صدره، حنين لا يعرف له في البداية اسما، ثم بدأ يكتشف أن ذلك الحنين ليس إلى مكان زاره فحسب، بل إلى عالم لم يكن قد عرفه بعد.
ومن خلال كتاب وقع بين يديه، انفتحت أمامه نافذة على الأندلس العربية، فاكتشف أن المسلمين لم يمروا من تلك البلاد مرور العابرين، وإنما تركوا فيها أثرا حضاريا وثقافيا عميقا، وأن الأندلس لم تكن جزيرة معزولة في أقصى أوروبا، كانت جزءا من فضاء حضاري واسع، يمتد من المغرب ويعانق المشرق.
وهنا يبدأ التحول الحقيقي. فالكاتب لا يكتفي بأن يكتشف الأندلس، بقدر ما يكتشف صلته بها، يتحول الشغف بالتاريخ إلى بحث، والبحث إلى تأمل، والتأمل إلى رحلة، والرحلة في نهاية المطاف إلى سؤال روحي #قاده_إلى_الإسلام، حتى كانت #تلك_اللحظة التي يصفها بأنها من #أجمل لحظات حياته:
#أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله.
وهكذا يصبح عنوان #حب_بعيد أكثر من عنوان لفصل، يصبح مفتاحا لفهم الكتاب كله. إنه حب لمكان بعيد جغرافيا، قريب روحيا. حب يبدأ من الأندلس، ثم يتجاوز الأندلس إلى سؤال الإنسان عن نفسه، وعن ذاكرته، وعن الطريق الذي يمكن أن يعيد الروح إلى أصلها.
ولذلك فإن صاحب الكتاب يصف رحلته بأنها رحلة شخصية وروحية بين الحاضر والماضي، رحلة تشبه في وجدان المسلم حجا آخر إلى الذاكرة، إلى ما بقي من الروح في الحجر واللغة والمدينة والماء.
ومن هنا يصبح عبور طارق لويستاين مدن الأندلس أشبه بعبور بحار لمضيق قديم، فالمسافة بين الضفتين قصيرة، لكن ما تحت الماء أعمق بكثير مما تراه العين.
وفي كل مدينة يفتح الكاتب نافذة جديدة على ذلك العالم.
في مالقة يطل علينا عنوان جميل:
#تين_ابن_بطوطة، وكأن الرحلة تستدعي رحالة مغربيا من طنجة، عرف كيف يجعل من السفر طريقة أخرى للمعرفة. وهنا لا يعود ابن بطوطة مجرد اسم في كتاب التاريخ، يصبح رفيقا بعيدا للكاتب، وظلا مغربيا يمشي معه في طرق الأندلس.
ومن مالقة نمضي إلى قرطبة، حيث:
#قرطبة… #جوهرة_العالم، وهو عنوان يليق بمدينة كانت في الذاكرة العربية واحدة من العلامات الكبرى على أن الحضارة حين تبلغ ذروتها تستطيع أن تجعل من المكان فكرة عن الإنسان.
ثم نصل إلى #ولبة بلاد ابن حزم، وهنا تتحول الجغرافيا مرة أخرى إلى أسماء وأرواح، فالمكان لا يقرأ بالحجر وحده، وإنما بما تركه أهله من فكر وشعر وحب وتأمل. وابن حزم، بما يمثله في الثقافة الأندلسية من عقل وعاطفة وجدل ومعرفة، يجعل من ولبة محطة أخرى في هذه الرحلة بين المكان والذاكرة.
ثم تتسع الرحلة لتبلغ البرتغال، حيث يضع الكاتب عنوانا شديد الدلالة: #البرتغال #قلبي_عربي
وهنا، في تقديري، تبلغ الرحلة واحدة من أكثر لحظاتها إيحاء. فالكاتب الذي بدأ بحب بعيد، أخذ يكتشف أن البعد الجغرافي لا يعني بالضرورة البعد الروحي. وأن القلب يستطيع أن يجد وطنه في مكان لم يولد فيه، وأن الحضارات لا تنتهي تماما حين تنتهي دولها، بل تترك في اللغة والحجر والموسيقى والذاكرة شيئًا يقاوم النسيان.
لهذا أقرأ كتاب طارق ليوويستاين بوصفه رحلة في أثر الإنسان أكثر من كونها رحلة في أثر المكان.
إنه لا يبحث عن الأندلس التي انتهت، بقدر ما يبحث عن الأندلس التي ما زالت تفعل شيئا فينا، وهنا تكمن سعادتي بهذا الكتاب. فمن الجميل أن يأتيك كاتب من الضفة الأخرى، فيعيد إليك شيئا من تاريخك بصفته ماضيا يخصك وحدك وإنما بصفته تجربة إنسانية قادرة على أن تفتح قلب إنسان آخر على المعرفة والإيمان والجمال.
وبالنسبة إلي، وأنا ابن طنجة، لا أستطيع أن أقرأ رحلة إلى الأندلس دون أن أتذكر البحر. فبين طنجة والأندلس ماء قليل، وذاكرة كثيرة.
أطل من طنجة على الضفة الأخرى، فأشعر أن مضيق جبل طارق صفحة ماء بين صفحتين من كتاب واحد وليس مجرد فاصل بين عالمين، ومن هنا أحببت أن ألتقي بهذا الكتاب.
وقد كان لي مع طارق ليوويستاين لقاءان قبل أن يصلني كتابه الجديد.
جاء إلى طنجة سنة 2021، وكان يومها يصور #شريطه_الوثائقي #أبناء_الأندلس. كان لقاؤنا الأول امتدادا لذلك الجسر المعرفي الذي صنعته قناة الجزيرة الوثائقية، من خلال برنامج تناول حكاية الأندلسيين الذين لجؤوا إلى قرى شمال المغرب، وحملوا معهم شيئا من الذاكرة الأندلسية إلى الضفة المغربية.
ثم كان اللقاء الثاني سنة 2024 في شفشاون، بمناسبة عرض #فيلم أبناء الأندلس و #توقيع كتابه الذي يحمل العنوان نفسه. وبين اللقاءين كانت معرفتنا تنمو بهدوء، ويتسع الحديث من الفيلم إلى الكتاب، ومن التاريخ إلى الإنسان، ومن الأندلس إلى تلك الروح التي تصل بين ضفتي المتوسط. واليوم يصلني كتابه عبر البريد، فأشعر بفرح خاص؛ كأن الرحلة التي بدأت أمام شاشة، ثم صارت لقاء في طنجة، ثم لقاء آخر في شفشاون، تصلني الآن في كتاب جديد، يحمل فصلا آخر من حكاية الأندلس.
فطارق ليوويستاين لم يكتب عن أندلس بعيدة وحسب، لقد كتب عن المسافة التي يستطيع الحب أن يلغيها.
بدأها بـ #حب_بعيد، ومضى عبر مالقة وقرطبة وولبة، ثم عبر إلى البرتغال، حتى وصل إلى جملة تختصر شيئا من سر الرحلة كلها #قلبي_عربي.
ولعل أجمل ما في هذه الرحلة أن صاحبها لم يكن يبحث عن الماضي ليقيم فيه، وإنما عاد من الماضي وهو يحمل منه شيئا إلى الحاضر، وهذا هو الكتاب الذي أفرح به اليوم: كتاب يجعل من الأندلس طريقا، ومن الطريق سؤالا، ومن السؤال بحثا، ومن البحث معرفة، ومن المعرفة محبة، ومن المحبة #رحلة_إلى_الله.
***********
يقع الكتاب في 640 صفحة، موزعة على ستة عشر فصلا، تتخللها صور ومخطوطات ووثائق بصرية توثق تفاصيل الرحلة وتضيء جوانبها التاريخية والإنسانية. وقد ترجم الكتاب من الهولندية إلى الإنجليزية والعربية، فيما أشرف على ترجمته من الهولندية إلى العربية الأخ الأستاذ حميد اعلالي ، بما أتاح لهذا العمل أن يعبر لغته الأصلية نحو فضاءات قرائية أوسع.

1 مشاركة25 مشاهدة