الحُــبُّ موعــدنا
سيدي...
لقد راهنتُ عليك، ووضعتُ قلبي في كفَّة هذا الرهان، ويقيني في الكفّة الأخرى، ومضيتُ نحوك بكامل شغفي؛ أُحدّث نفسي عن رجلٍ سيأتي يومًا، فيجد في عينيّ حكايةً تسكنها امرأةٌ اختارته من بين الوجوه جميعها، ورأت فيه ما يستحقُّ أن تُغامر لأجله بكل هذا الحنين.
راهنتُ على اقترابي منك، وعلى المسافة التي ستضيق يومًا بعد يوم، حتى يألف صوتُك روحي، ويستقر اسمي في أعماقك، فتبحث عني وسط انشغالك، وتفتقدني حين أغيب، ويوقظ الشوق قلبك كلما تأخَّر لقاؤنا.
راهنتُ على أن تحبني، وأن تجد في حضوري راحةً تُشبه العودة إلى الدار بعد رحلةٍ طويلة، وأن تنتظر حديثي بشغف العاشق، وتترقّب أخباري ترقُّب العطشان قطرة الماء، وأن تصير تفاصيل يومك أجمل حين أكون جزءًا منها، وأن تبتسم فجأةً كلما باغتك طيفي؛ فتدرك أن امرأةً قد تسلَّلت إلى قلبك واستوطنت فيه دون استئذان.
سيدي...
منذ اللحظة الأولى التي وقعت فيها عيناي عليك، همس في داخلي صوتٌ عميق: هذا الرجل لي.
لم أكن أعرف عنك سوى القليل، ومع ذلك شعرتُ أن بين روحي وروحك موعدًا مؤجَّلًا، وأن الأيام ستنسج بيننا خيوطًا خفيّةً لتجمعنا في حكايةٍ تستحق الرواية. تخيّلتُك قريبًا من نبضي، تُصغي إلى ارتباك صوتي، وتقرأ ما تعجز شفتاي عن بثِّه، وتفهم تلك اللغة التي ترتفع فوق الكلمات؛ لغة النظرات حين يفيض بها الشعور، ولغة الصمت حين يكون أبلغ من أي اعتراف.
تخيّلتُني أسري في وريدك مسرى الضوء في عروق الصباح، وتخيّلتُ نبضك يطرق أبواب قلبي، فيستيقظ شوقٌ لم أعهد مثيله. تخيّلتُني أنتظرك، أعدُّ اللحظات حتى ألقاك، وأخبّئ لك من يومي حكاياتٍ صغيرة، ومن ضحكتي شيئًا خاصًّا بك، ومن حنيني رحيقًا يكفي لرويك مهما طال الغياب.
أردتُ أن أكون المرأة التي تُزهر في حضورها ملامحُك، وتلين بقربها قسوة الأيام، وتمنحك من دفء روحها ما يجعلك تدرك أن للحب وجوهًا بهيَّةً، أصدقها أن تجد إنسانًا يفرح بك كما أنت، ويشتاق إليك بغير موعد، ويحتفظ بتفاصيلك الصغيرة احتفاظ المرء برسالةٍ عزيزةٍ يخشى عليها عابثات الزمان.
أردتُ أن تنثر الورد على شفتيّ بكلمةٍ حانية، وأن تترك في روحي أثر قبلةٍ من حنانك، وأن تسقيني من ندى صباحك، فأهديك من رحيق اشتياقي ما يليق برجلٍ سكن وجداني. أردتُ أن يكون بيننا عشقٌ يليق بالأحلام التي أخفيها عن العالم؛ عشقٌ تزهر فيه الكلمات، وتغدو اللمسة وعدًا، والنظرة اعترافًا، واللقاء عيدًا تحتفل به الروح بعيدًا عن ضجيج الدنيا.
كنتُ أريدك أن تعرف أنني حين أختارك، أختارك بقلبٍ يقدّر الوفاء، وبروحٍ تعشق التفاصيل، وبامرأةٍ تستطيع أن تمنحك من دفئها ما يجعل أبسط اللحظات ذكرى باقية. أردتُ أن أكون حكايتك التي تبتسم كلما تذكَّرتها، ووجهتك حين يتعبك المدى، ورفيقة أحلامك حين يطول الليل، والاسم الذي يُضيء صدرك حين تنطفئ حولك المصابيح.
وكم تمنّيتُ أن يأتي يومٌ أراك فيه تفتّش عني بين الساعات، تستعجل صوتي، وتؤجّل انشغالك لأجل حديثٍ قصير، وأن أسمع منك تلك العبارة التي تُربك قلبي وتُعيد ترتيب فرحتي: اشتقتُ إليكِ.
يا سيدي، أتعلم ما أبتغيه من كل هذا الحب؟
أريد قلبًا يشعر بي، وحنينًا يذهب إليك ليعود محمَّلاً بشوقك، ويدًا تمتدّ إليّ عند حاجة الأمان، وروحًا تبادلني اللهفة ذاتها. أريد حبًّا تتلاقى فيه الخطوات، وتتقاسم فيه الأرواح انتظارها، فلا أظلُّ وحدي أضيء نوافذ الشوق، ولا أبقى وحدي أعدُّ مواسم اللقاء.
أريد أن أراك تحبني بطريقتك، وأن أكتشف فيك ذلك العاشق الذي خبّأته الأيام خلف ملامحك الهادئة، وأن أجد في قربك ما يجعل قلبي مطمئنًّا إلى اختياره، سعيدًا بجرأته، ممتنًّا لتلك اللحظة التي قادته إليك.
فأنا يا سيدي امرأةٌ حين تحب، تزهر في أحشائها حدائق كاملة؛ تمنح من حنانها، تدلّل من تعشق، تخبّئ له بين ثنايا يومها ألف التفاتة، تمنحه من الدعاء نصيبًا، ومن الشوق عمرًا، ومن الوفاء وعدًا لا تبدّله تقلّبات الفصول.
وقد راهنتُ عليك، نعم... راهنتُ على أن يلتقي قلبي بقلبِك، وأن يتحوّل هذا الشعور الذي بدأ همسًا إلى حكايةٍ تتّسع لها الحياة، وأن يأتي يومٌ نضحك فيه معًا من ارتباك البدايات، ونتذكّر كيف كان كلُّ منا يفتّش عن الآخر بين الاحتمالات، حتى وجد فيه شيئًا يشبه المعجزة.
فهل تسمح لي يا سيدي أن أحتفظ بهذا الرهان الجميل؟
أن أترك لك في قلبي مقعدًا لا يجلس عليه سواك، وأن أُبقي نافذة الروح مفتوحة لخطواتك، وأن أستقبلك كلما جئتَ بفرحة امرأةٍ طال انتظارها، ففاجأها العمر بما يستحق الصبر كلّه؟
تعالَ، ودعنا نكتب للحب موعدًا لا يخطئ الطريق، ونمنح الشوق فرصةً كي يصير لقاءً، والأمنية جناحين، والحلم حقيقةً تمشي بيننا.
تعالَ، فما زال في القلب متّسعٌ لقصيدةٍ طويلة، وفي الروح وردٌ ينتظر يديك، وفي العمر حكايةٌ أتمنّى أن يكون اسمك عنوانها، واسمينا معًا خاتمتها الأجمل.
سيدي...
لقد راهنتُ عليك بقلبي، وأتمنّى أن أربحك حبًّا، وأن تربحني شوقًا، وأن نلتقي يومًا في منتصف الطريق، فلا يكون أحدنا وحده من انتظر، ولا أحدنا وحده من أحبّ.
فالحبُّ يا سيدي لا يكتمل جماله بقلبٍ ينادي وقلبٍ يكتفي بالصمت؛ إنما تكتمل حكايته حين تتعانق اللهفتان، ويتبادل العاشقان الشوق، ويصبح اللقاء وعدًا يفي به قلبان.
سيدي... الحبُّ موعدنا، فهل أنت آتٍ؟
#حروف_عشق
#شرين_شوقي_عامر

2 مشاهدة

