حكاية العمر
حكاية العمر
ــــــــــــــــــــــــــ
ما كانت حكايتنا التقاء قلبين عابرين في زحام الأيام، ولا صدفةً طارئةً تتلاشى؛ بل كانت حكاية عمرٍ كامل، استهلت بنبضةٍ مرتبكة، ونظرةٍ أطالت البقاء، ثم سارت بنا في دروبِ الحياة، حتى صرنا ندرك بعضنا من نبرة الصوت، ونقرل ما تخفي المآقي، ونفعي من الصمت معاني تعجز الحروف عن الإفصاح عنها.
ومع كرّ السنين، تبيّن لنا أن العشق أسمى من فراشات البدايات، وأحنى من عهود الشوق العابرة. الحب الحقيقي هو أن تألف روحاً حتى يغدو جوارها طمأنينتك، وأن تحفظ تفاصيلها الدقيقة، وتدرك كيف تزرع ابتسامةً على شفتيها حين يثقل الوجد فؤادها، وكيف تضمّها إلى صدرك بغير سؤال، فتجد في احتضانك ملاذاً حرمته إياها الدنيا.
حكاية العمر أن نظلّ أحباء، مهما تبدلت الملامح، وأن يبقى في حنايا الروح متّسعٌ للتدلل والمشاكسة والبسمات البريئة. أن ألوذ بحضنك كطفلةٍ مدللة، وأرفع ناظري إليك بابتسامةٍ أعرف أنها تبعثر سكون قلبك، فتبادلني إياها بحنانٍ ألِفته، وكأنك ذاك الفارس الذي اختطف فؤادي مستهلّ الحكاية.
أن تعزف لي لحناً أعشق شجنه، فأطبق أجفاني وأترك رأسي يطمئن على كتفك، مستشعراً أن الموسيقى ما سُويت إلا لترافق لحظاتنا، وأن الكون بكل صخبه غدا نأياً بعيداً بما يكفي لنصغي إلى إيقاع قلبينا. أن نتبادل حديثاً عفوياً، ثم نغرق في الضحكات، وكأننا ظفرنا لتوّنا بسرّ السعادة الذي ضلّ عنه الساعون طويلاً.
حكاية العمر أن يخطّ الشيب خطاه على شعرينا، ويترك على الوجوه مسحاته الرقيقة، بينما تظل عيناك تهتديان إليّ، وتبقى يدي تلملم يدك بعفوية الفجر الأول. أن تختطف من جبيني قبلةً حانية، فأبتسم بخجلٍ يتحدى عدد سنيننا، ثم أهمس ببثّ الهوى، فتجيبني بنظرةٍ تشعرني بأنني ما زلتُ أبهى نساء العالمين.
أن نتخالف هويناً، ثم نتباشر بالصلح عاجلاً؛ أن نتقاسم عناء الأيام، ونقتسم رغيف الخبز، وفنجان القهوة، ودفء الأمسيات الباردة، وأن نصنع من التفاصيل التي يعدّها الآخرون عابرةً ذكرياتٍ نكنزها في أعماقنا، ونؤوب إليها كلما استوحشنا أنفسنا الغابرة.
أبتغي لحكايتنا الدفء مهما تجهمت الفصول، وأن نلفي في قرب بعضنا عزاءً عن أثقال الأرواح. أريد إذا أقبل المساء أن نقترب، وتتشابك الأصابع في سكون، وتروي لي شجون نهارك، فأصغي بخشوعِ محبّ، ثم أضع رأسي على صدرك أبثّك أسراراً لا أبوح بها لس سواك.
أريد أن نمضي في دروب العمر معاً، حتى تتكاثر حكاياتنا، وتسبق ذكرياتنا كلماتِ الابتسام، وتزهر الأماكن بأسماء تختزل تفاصيلنا. وحين نتساءل عن السرّ الذي أبقانا متقاربين طوال هذه الأعوام، نكتفي باكتشاف أن الحبّ تجلّى دائماً في الشؤون الصغرى؛ في السؤال عن الإعياء، وفي ترقب العودة، وفي فنجان شايٍ أُعدّ على الكيف، وفي كفّ امتدّت إلينا كلما أشرفنا على السقوط.
حكاية العمر ليست عبور السنوات بمعزل عن الروح، بل اجتيازها ونحن نزداد شغفاً، ونكبر في أعين بعضنا دون أن تفقد أرواحنا بهجة الدلال، وأن يمسي كلّ منا ملاذاً لصاحبه، وخليلاً، وطفلاً مدللاً، وبيتاً يأوي إليه مهما اشتطّ بنا المسير.
وحين يركن كل شيء إلى السكون، وتوشك أجفاننا على الإغفاء، أودّ لو أتشبث بيدك مليّاً، وأسمعك تهمس باسمي بتلك النبرة التي أعشق، فأغمض عيني مطمئنةً، وأتدبر في رصيد ما مررنا به، ثم أحمد البارئ خفيةً على قلبٍ رافق قلبي، وعلى حكايةٍ ما برحت تملك القدرة على منحني الدهشة ذاتها.
فيا حبيبي، إن بلغ العمر منتهاه، فأمنيتي أن أبلغ نهايته وأنا بجوارك، أستند إلى عاتقك كما العهد بي، وأبتسم لك بالوجد ذاته، ثم أهمس بصوتٍ خافت يقطر عمرًا من العرفان:
«ما أبهى العمر إذ عشته في رحابك، وما أحنّ الحكايات إذ كنتَ أنت أثمن ما فيها… ولو عاد بي الزمن كرّات، لاخترتُ قلبي الذي هداني إليك، ولاخترتُك أنت، في كل مرة، كأنها البداية».
#حروف_عشق
#شرين_شوقي_عامر

4 مشاهدة