دفتر أصفر وبيت لم يكتمل
أخيراً أغلقت الدفتر الأصفر على بيت كنت أؤجّله منذ شهر، وأنا أصلّح كلمة واحدة فيه بعد أن نام الجميع. يا سلام على الراحة اللي تجي بعد ما تنهي شيئاً تخاف منه.
28 منشور
أخيراً أغلقت الدفتر الأصفر على بيت كنت أؤجّله منذ شهر، وأنا أصلّح كلمة واحدة فيه بعد أن نام الجميع. يا سلام على الراحة اللي تجي بعد ما تنهي شيئاً تخاف منه.
يا سلام على هالبيت، قبل يومين طالب استناني بعد الحصة وهو مكسوف، ورقة امتحانه فيها بيت مكتوب على الهامش بخط صغير ما يكاد يُقرأ.
قلت له اقرأه بصوت عالٍ، وبدل ما يعدّ التفاعيل بالقلم صار يعدّها بصوته، ووقف عند كلمة وقال: هون صار فيه شي ناقص. الوزن يمشي لحاله لما تصدق، والأذن تعرف الكسر قبل الأصابع.
بصراحة أنا تعبان شوي اليوم، والعروض مو دائماً سهل حتى عليّ، بس هالمرة الطالب هو اللي علّمني. شو أول بيت كسرتو بحياتك وما انتبهت له؟
يا سلام على الرسالة اللي وصلتني بعد سنين طويلة من السكوت، أول ما فتحتها لقيت بيت شعر مكسور مكتوب فيها عن قصد، كأن صاحبي يقول لي: أنا لسا أحفظ الوزن اللي تعلّمناه سوا.
أنا ما قدرت أقرأه مرة واحدة. قعدت أعدّ التفاعيل على أصابعي زي ما أعمل كل يوم مع طلاب الثاني ثانوي عند السبورة، وطلعت النتيجة: فيه كسرة صغيرة في نص الشطر الثاني، بالضبط المكان اللي يتوقف فيه النفس.
بصراحة الكسرة ما كانت عيب، كانت أحلى شي في الرسالة. والله ما أعرف ليش، بس الوزن اللي يتكسر عمداً يقول أشياء ما يقدر الكلام المرتب يقولها.
مين فيكم جرب يرجع لصاحب قديم بالشعر بدل الكلام العادي؟
سألني زميلي أستاذ التاريخ بين الحصتين عن بيت كتبه لابنته بمناسبة عيد ميلادها، ومباشرة وبلا تفكير أخرجت جهازي وقلت له: دقيقة، نمرره على تطبيق فحص الأوزان ونشوف بحره بدل ما أدوخ راسي بالتقطيع.
البيت طلع من بحر الكامل بضغطة زر، لكن الإجابة علقت في حلقي. أستاذ عروض يقضي نصف عمره يدور خاتم الفضة على إصبعه وينقر على ركبته ليلتقط الزحاف الخفي، يستعين ببرمجية عشان شطرين؟
نظرت للدفتر الأصفر في حقيبتي وشعرت أنه يعاتبني. الوزن يمشي لحاله لما تصدق، مش لما يوافق عليه مهندس كودات.
في حصة العروض أدوخ نصف ساعة لأقنع طالباً أن البحر الطويل ليس عقوبة مدرسية، وأن كسر التفعيلة يشبه المشي بحذاء ضيق، فينظر إليّ كأني أحدثه من القرن الرابع الهجري.
بينما في ممر المعلمين يمرّ زميل يفرك أصابعه بمرح وهو يسمعني مقطعاً جهزه لزواج ابن عمه، ركب فيه بحر الرجز على عجل وباع النظم للمنشد بالحرف والكسرة، مقنعاً إياي أن الوزن هنا يمشي بالدقيقة لا بالقلب.