هل باع الفلسطينيون فلسطين؟ حين تكذّب سجلات الأراضي روايةً عمرها عقود!
«الفلسطينيون باعوا أرضهم لليهود، ثم عادوا يطالبون باستردادها!»
ربما سمعت هذه العبارة عشرات المرات، تُقال بثقة وكأنها حقيقة تاريخية محسومة، ويُراد بها اختزال نكبة شعب كامل في تهمة واحدة: أنه فرّط في وطنه بإرادته.
لكن ماذا لو فتحنا سجلات الأراضي التي أعدّتها حكومة الانتداب البريطاني نفسها، بعيدًا عن الخطب السياسية والروايات المتوارثة؟
المفاجأة أن الأرقام لا تسند هذه التهمة، بل تكشف صورة مختلفة تمامًا!
أولًا: ماذا تقول الوثائق البريطانية؟
في سنة 1945م، أعدّت حكومة الانتداب البريطاني إحصاءات تفصيلية عن الأراضي والسكان في فلسطين، عُرفت باسم Village Statistics 1945.
وبحسب البيانات التي أعاد الباحث الفلسطيني سامي هداوي تصنيفها وتحليلها، بلغت مساحة فلسطين البرية نحو 26.3 مليون دونم، وتوزعت الملكيات المسجلة على النحو الآتي:
- 5.67% فقط كانت في ملكية اليهود، بما يعادل نحو 1.49 مليون دونم.
- 48.50% كانت مسجلة في ملكية العرب، بما يعادل نحو 12.77 مليون دونم.
- 5.67% صُنفت أراضي عامة وأخرى.
- 40.16% كانت أراضي واسعة في منطقة بئر السبع والنقب، لم تُحسم ملكيتها في السجلات، ولا يصح اعتبارها تلقائيًا ملكًا لأي طرف.
والتفصيل الأخير مهم؛ لأن عدم تسجيل الأراضي باسم أفراد لا يعني أنها أرض بلا سكان أو بلا حقوق انتفاع وعلاقات ملكية تقليدية.
والأكثر دلالة أن العرب كانوا يمتلكون، وفق التصنيف نفسه، نحو 84.7% من الأراضي المصنفة قابلة للزراعة، مقابل 12.78% لليهود.
هذه ليست أرقامًا اخترعها مؤرخ فلسطيني بعد النكبة؛ فأصلها بيانات رسمية جُمعت في عهد الإدارة البريطانية، ثم خضعت لاحقًا لإعادة تصنيف وتحليل.
ثانيًا: هل بيعت أراضٍ فعلًا؟
نعم، حدثت عمليات بيع. وإنكارها لا يخدم الحقيقة الفلسطينية.
لكن السؤال الذي يجب طرحه ليس: هل حدث بيع؟
بل: من باع؟ ولمن؟ وكم كانت المساحة؟ وماذا حدث للناس الذين عاشوا فوق تلك الأراضي؟
من أبرز الأمثلة التاريخية صفقات عائلة سرسق، وهي عائلة من كبار ملاك الأراضي ارتبط نشاطها التجاري ببيروت، وامتلكت مساحات واسعة في مرج ابن عامر ومناطق من شمال فلسطين.
وقد باعت شركات مرتبطة بالعائلة أراضي لمؤسسات استيطانية يهودية، ضمن صفقات امتدت عبر سنوات.
وفي دراسة أكاديمية نشرتها جامعة كامبريدج سنة 2023، كشفت الباحثة كريستن ألف، اعتمادًا على وثائق عثمانية وسجلات الشركات وأرشيف عائلة سرسق، أن بعض تلك الصفقات أدّى إلى اقتلاع فلاحين فلسطينيين كانوا يزرعون الأراضي ويعيشون عليها منذ أجيال.
وهنا تكمن المأساة التي تغيب عن الرواية الشائعة:
قد يبيع مالك كبير أرضًا يحمل سندها القانوني، بينما يكون فوقها فلاحون لهم بيوت ومحاصيل وحقوق انتفاع ومصالح متوارثة.
فهل يصح بعد ذلك اتهام أولئك الفلاحين بأنهم باعوا أرضهم، مع أنهم لم يكونوا طرفًا في عقد البيع؟
لقد شهدت فلسطين صفقات مختلفة؛ بعضها أبرمه ملاك محليون، وبعضها ملاك غائبون، وكان لبعضها آثار اجتماعية وسياسية خطيرة.
لكن وجود تلك الصفقات لا يحوّلها إلى قرار جماعي اتخذه الفلسطينيون بالتنازل عن وطنهم.
ثالثًا: كيف تحولت ملكية محدودة إلى مشروع دولة؟
في سنة 1947م، كانت نسبة الأراضي المملوكة لليهود قد ارتفعت، وفق دراسة تاريخية منشورة لدى الأمم المتحدة، إلى نحو 6.2% من مساحة فلسطين.
وفي 29 نوفمبر من العام نفسه، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 181، الذي اقترح تقسيم فلسطين إلى دولتين، عربية ويهودية، مع وضع خاص للقدس.
وقد خصصت الخطة للدولة اليهودية نحو 56% من أراضي فلسطين، في وقت كان اليهود يشكلون فيه قرابة ثلث السكان.
هنا ينبغي ألا نخلط بين أمرين: ملكية الأراضي الخاصة والسيادة السياسية على الإقليم.
فقرار التقسيم كان اقتراحًا دوليًا لإنشاء دولتين، وليس عقد بيع للأرض، كما أنه لم يكن مجرد ترجمة لنسب الملكية العقارية.
لكن الفارق الكبير بين نسبة الملكية اليهودية ومساحة الدولة المقترحة يوضح لماذا عارض الفلسطينيون والعرب الخطة، وعدّوها مجحفة بحق الأغلبية العربية.
فالأرض ليست سلعة تنتقل سيادتها على شعب كامل بمجرد شراء عقارات متفرقة داخلها.
والاعتراف بحقوق المشترين في الأراضي التي امتلكوها قانونيًا لا يستلزم الاعتراف بحقهم في تقرير المصير السياسي لسائر السكان أو انتزاع ممتلكاتهم.
رابعًا: ما الذي حدث سنة 1948؟ بيع أم تهجير؟
هنا نصل إلى السؤال الأكثر إيلامًا.
إذا كانت النكبة مجرد نتيجة طبيعية لبيع الأراضي، فلماذا أصبح نحو 750 ألف فلسطيني لاجئين بسبب حرب سنة 1948، وفق الرقم الذي استندت إليه وكالة الأونروا عند بدء عملها؟
لماذا فقدت عائلات كثيرة بيوتها وأراضيها في قرى ومدن لم تبعها أصلًا؟
لقد تداخلت في نزوح الفلسطينيين وتهجيرهم عوامل متعددة، بينها العمليات العسكرية والطرد المباشر والخوف من القتال والمجازر وانهيار الأمن.
لكن المؤكد أن مئات الآلاف فقدوا منازلهم ومصادر رزقهم، وأن إسرائيل لم تسمح لغالبية اللاجئين بالعودة إلى ديارهم بعد الحرب.
ثم جاء قانون أملاك الغائبين الإسرائيلي سنة 1950م، الذي وضع ممتلكات فئات واسعة من الفلسطينيين المصنفين غائبين تحت سلطة القيّم على أملاك الغائبين، ومهّد لنقل السيطرة على أراضٍ وممتلكات واسعة.
وهذا ليس توصيفًا إنشائيًا؛ فنص القانون نفسه منشور ومحفوظ ضمن الوثائق القانونية التي تتيحها الأمم المتحدة.
كما أن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194، الصادر في 11 ديسمبر 1948، تناول عودة اللاجئين الراغبين في العودة والعيش بسلام، والتعويض عن الممتلكات وفق الشروط الواردة فيه.
فأين عقد البيع الذي تنازل بموجبه هؤلاء اللاجئون عن بيوتهم وبساتينهم؟
وأين الثمن الذي قبضته العائلات التي خرجت من قراها، وتركت وراءها أرزاقها وأثاثها وحقولها؟
خامسًا: ما الحقيقة التي ينبغي ألا نخجل من قولها؟
نعم، وُجد فلسطينيون وعرب باعوا أراضي، وكانت بعض تلك الصفقات ذات نتائج شديدة الضرر على المجتمع الفلسطيني.
ونعم، من حق المؤرخ أن يبحث في مسؤولية البائعين والمشترين والسلطات التي سمحت بهذه المعاملات، دون تبرئة تلقائية لأحد.
لكن من الظلم التاريخي والأخلاقي تحويل تصرفات أفراد ومؤسسات إلى تهمة تلاحق شعبًا بأكمله.
فالفلسطيني الذي لم يبع أرضه لا يتحمل مسؤولية صفقة أبرمها غيره.
والفلاح الذي أُخرج من الأرض التي يزرعها لم يصبح بائعًا لمجرد أن مالكًا آخر وقّع عقدًا.
واللاجئ الذي فقد بيته في الحرب لا يتحول إلى متنازل عن ملكيته لمجرد أنه عجز عن العودة إليه.
بل إن بيع أرض بعينها، حتى عندما يكون قانونيًا، لا يعني بيع وطن ولا التنازل عن الحقوق السياسية لشعب يعيش فيه.
الخلاصة: فلسطين لم تُبع في عقد واحد، ولا في مجموعة عقود!
كانت هناك مشتريات حقيقية للأراضي، لكن حجمها وطبيعتها لا يفسران وحدهما ما جرى سنة 1948.
لقد شهدت فلسطين مشروعًا سياسيًا واستيطانيًا، وسياسات انتدابية، وصراعات مسلحة، وتهجيرًا واسعًا، وتحولات قانونية في ملكية الأراضي والسيطرة عليها.
أما اختزال كل ذلك في عبارة «الفلسطينيون باعوا فلسطين»، فليس تفسيرًا للتاريخ، بل تجاهل لوثائقه وتحميل للضحايا مسؤولية ما أصابهم.
ليس مطلوبًا من الفلسطيني أن يثبت أن أحدًا من أبناء شعبه لم يبع مترًا من الأرض حتى يدافع عن حقه في وطنه.
وليس مطلوبًا من شعب أن يكون جميع أفراده بلا أخطاء حتى يستحق الإنصاف.
إن الموقف الفلسطيني لا يحتاج إلى اختراع تاريخ مثالي، بل إلى قراءة التاريخ كما حدث: بالأسماء، والخرائط، والعقود، وشهادات اللاجئين، وسجلات الملكية.
فالأرض التي انتُزعت بالقوة لا تتحول إلى أرض مبيعة، والتهجير لا يصبح صفقة تجارية لمجرد أن بعض الأراضي بيعت قبل وقوعه.
---
المصادر والوثائق التاريخية
1. حكومة فلسطين في عهد الانتداب البريطاني: Village Statistics 1945، إحصاءات السكان وملكية الأراضي، المحفوظة في وثائق الأمم المتحدة، الملحق A/AC.14/32/Add.1.
2. سامي هداوي: Village Statistics 1945: A Classification of Land and Area Ownership in Palestine، 1970، الصفحات 19–24، لإعادة تصنيف بيانات الأراضي وشرح حدودها.
3. الأمم المتحدة: Acquisition of Land in Palestine، دراسة تاريخية عن انتقال ملكية الأراضي خلال الانتداب البريطاني.
4. Kristen Alff: «Changing Capitalist Structures and Settler-Colonial Land Purchases in Northern Palestine, 1897–1922»، مجلة International Journal of Middle East Studies، المجلد 55، العدد 4، 2023، الصفحات 675–692.
5. الأمم المتحدة: The Origins and Evolution of the Palestine Problem، الجزء الثاني، 1947–1977، المتعلق بخطة التقسيم وتطور الملكية والسكان.
6. وكالة الأونروا: الوثائق التعريفية بلاجئي فلسطين وأعداد اللاجئين عند بدء عمليات الوكالة سنة 1950.
7. الوثائق القانونية: قانون أملاك الغائبين الإسرائيلي لسنة 1950، وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 لسنة 1948.
#التاريخ_كما_لم_يرو #فلسطين #النكبة #تاريخ_فلسطين #مغالطات_تاريخية #الأرض_الفلسطينية