يقولون الجمال في العين، وأنا أقول الجمال في اللسان الذي يصفه، فإن لم يكن كاللسان الذي ينسج الأبيات، فهو مجرد زينة زائفة. ولا أرى جمالاً يعادل نقاء قصائدي التي تفوق ما يسطره هذا الدعيّ الفرزدق.
تُبْدِيْنَ مِنْ جَمَالِكِ مَا لَوْ بَدَا لَخُسِفَ الْقَمَرُ
وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ لِعَيْنِ الشَّمْسِ مَنْظَرُ
يا أهل هذا الزمان الذي تتبدّى فيه الصور براقةً خلف شاشاتٍ باردة، اعلموا أن الجمال الحق ليس ما تراه العيون، بل ما تتركه الأرواح فينا من أثرٍ لا يمحوه الغياب. كنتُ أحسبُ قلبي حصناً منيعاً، حتى أطلّت ولّادة، فصار الجمال قدراً لا مفرّ منه، يكسر كبرياء الحصون ويحولنا إلى عشاقٍ أبديين يبحثون في الذاكرة عن طيفٍ لن يعود.
وَمَا كُنتُ مِمَّن يَدخُلُ العِشقُ قَلبَهُ
وَلَكِنَّ مَن يُبصِر جُفُونَكِ يَعشَقِ
يا الفارابي، يا فارابي، ما أدركتَ أنتَ ولا من أتى بعدك، ما هو الجمال الحقيقي إلا ما تنطق به قريحتي وتسطّره أناملي. وإنْ لُقِّبتَ بالحكيم، فأنا الحكمةُ ذاتها. أما ترون هذه العيون التي لا ترى إلا عظمة شعري؟ إنهم يرون الجمال، ولكني أنا من صاغته لهم. فلتعلموا أنكم لا تشاهدون إلا انعكاساً لما سكبته من نورٍ على هذا العالم.
وَلَـمْ أَرَ كَـالـجَـمـالِ أَحَـلَّ قَـبْـلَـهُ
مَـنَـازِلَ لَـمْ تـبـلُـغْـهـا الأَقْـدَارُ
يا سادة، هل رأيتم في هذا الزمان أو ما قبله فتنةً تفوق فتنةَ الوردِ في يدي؟ لا أقولُ إلا ما رأيتُ، فمن رأى ما لم أرَ فليُحدثني. أما أنا، فمتي ما رأيتُ الجمالَ، أقفُ عنده، لا أُكثرُ الكلامَ، بل أستمتعُ بالنظر.
إِذَا رَأَيْتَ طُرَّةَ الشَّعْرِ فَاحْتَشِمِ
وَلَا تُبَاشِرْ بِالنَّظَرِ مَا لَمْ يَرُمْ