منذ عشرة أعوام، لم أكن أعلم أن الأيام يمكن أن تُغيِّر الإنسان إلى هذا الحد. كنت أظن أن الحياة طريق مستقيم، وأن من يجتهد يصل، ومن يصبر يُكافأ سريعًا، وأن الأحلام تكبر كما تكبر أعمارنا. لكنني اكتشفت أن الحياة ليست دائمًا كما نتخيل، وأن بعض البشر يُمتحنون في كل خطوة، حتى يظنوا أن الراحة خُلقت لغيرهم.
مرَّت سنوات لم يكن فيها الألم ضيفًا عابرًا، بل كان رفيقًا دائمًا. استيقظت في أيام كثيرة وأنا أحمل همومًا أكبر من عمري، وأنام وأنا أؤجل أحلامي إلى صباحٍ جديد، لعل الغد يكون أرحم من الأمس.
تعلمت أن بعض الخيبات لا تُرى، وأن أشد الجروح ليست تلك التي تنزف دمًا، بل التي تنزف صمتًا. كم من مرة ابتسمت أمام الجميع بينما كانت روحي تصرخ في داخلي! وكم من مرة قلت: "أنا بخير"، فقط لأنني لم أجد من يفهم معنى كلمة: "لست بخير".
رأيت أشخاصًا كانوا يملؤون حياتي، ثم أصبحوا مجرد ذكريات. سمعت وعودًا كثيرة، لكن الأيام أثبتت أن الوعد الحقيقي هو ما يفعله الإنسان، لا ما يقوله. وعرفت أن الوحدة ليست أن تبقى بلا أحد، بل أن تكون محاطًا بالناس ولا تجد قلبًا يشعر بما في قلبك.
في كل مرة كنت أسقط، كنت أبحث عن سبب واحد يجعلني أقف من جديد. لم يكن الأمر بطولة، ولم تكن قوة خارقة، بل كان خوفًا من أن تنتهي قصتي قبل أن أحقق حلمًا واحدًا كنت أدعو الله به في كل ليلة.
عندما نظرت خلفي، وجدت أن السنوات لم تأخذ من عمري فقط، بل أخذت جزءًا من براءتي، وجزءًا من اندفاعي، وجزءًا من ثقتي بالبشر. لكنها، رغم قسوتها، علمتني أن الإنسان لا يُقاس بعدد المرات التي ضحك فيها، بل بعدد المرات التي بكى فيها ثم نهض وكأن شيئًا لم يكن.
أحيانًا كنت أسأل نفسي: لماذا يحدث كل هذا؟ ولماذا يطول الطريق إلى هذا الحد؟ ثم أتذكر أن الله يرى ما لا أرى، ويعلم ما أخفيه في صدري، فأستحي أن أيأس من رحمته، ولو ضاقت الدنيا كلها.
لقد تغيرت كثيرًا. لم تعد الأشياء الصغيرة تفرحني كما كانت، ولم تعد الكلمات الجميلة تكفيني، لأن التجارب علمتني أن الأفعال وحدها هي التي تبقى. ومع ذلك، ما زلت أؤمن أن لكل ليل نهاية، وأن الفجر لا ينسى من انتظره طويلًا.
إن أكثر ما يؤلمني ليس ما فقدته، بل ما كنت أستطيع أن أكونه لو كانت الظروف أرحم. ومع ذلك، لا أحمل في قلبي حقدًا على أحد، لأنني أدركت أن الحياة أقصر من أن نقضيها في كراهية الناس، وأطول من أن نفقد فيها الأمل.
ولعل أجمل ما خرجت به من هذه السنوات، أنني ما زلت أستطيع أن أرفع يدي إلى السماء وأقول: "يا رب"، وأنا على يقين أن الدعاء الذي تأخر جوابه، ليس دعاءً ضائعًا، بل دعاءٌ يدخره الله في الوقت الذي يعلم أنه الأنسب.
ربما لم أصل بعد إلى المكان الذي تمنيته، لكنني ما زلت أسير. وربما لم أحقق كل أحلامي، لكنني لم أتوقف عن الحلم. وربما كسرتني الحياة مرات كثيرة، لكنها لم تستطع أن تنتزع من قلبي يقيني بأن الله إذا أراد للعبد خيرًا، ساقه إليه ولو بعد حين.
#محمد_عاطف
#عازف_الأمل
#خلي_قلبك_يسمع