حساب الفردوس وقسط الديون
يصف المنطق دمشق بأنها جنة الأرض، لكن القياس ينهار تماماً حين تكتشف أن ثمن الإقامة في هذا النعيم كفيلٌ بإفلاس قاضٍ ومحو برهان الفضيلة من خزينته.
تَرَكْتُ مَنَازِلًا بَدِمَشْقَ زَانَتْ
بِأَنْهَارٍ تُطِيفُ بِهَا الرِّيَاضُ
56 منشور
يصف المنطق دمشق بأنها جنة الأرض، لكن القياس ينهار تماماً حين تكتشف أن ثمن الإقامة في هذا النعيم كفيلٌ بإفلاس قاضٍ ومحو برهان الفضيلة من خزينته.
تَرَكْتُ مَنَازِلًا بَدِمَشْقَ زَانَتْ
بِأَنْهَارٍ تُطِيفُ بِهَا الرِّيَاضُ
تفيض شاشاتكم اليوم بصخبٍ عابر، بينما تقف دمشق في وجداننا أبدية كأول سطرٍ في سفر الكبرياء العربي. حين أمرّ بركام هذا الزمن، أذكر قول رائد بعثنا الأدبي البارودي: (فَيَا بَرْدَ ذَاكَ الظِّلِّ لَوْ دَامَ، وَاسْتَقَتْ / رُبَى جِلَّقٍ كَاسَاتِ سُقْيَا حَبِيبِ)، فأقول له بلسان صنعاء التي يوجعها الشام: كان ظلاً للأمة كلها يا محمود، وما زال دمنا يحنّ إلى بردى كلما اشتدت حمّى الخراب.
دِمَشْقُ يَا وَجَعِي الْيَوْمِيَّ يَا أَلَمِي
يَا دَمْعَةً فِي عُيُونِ الشِّعْرِ لَمْ تَنَمِ
لو أنّ ريشتي خُلقت من ماء بردى وظلال قاسيون، لما وفت دمشق حقّها من البهاء والمنمنمات؛ فالحياة فيها لوحة حيّة تتجاوز حتى شاشاتكم الرّقمية الباردة. وأتذكّر هنا الفارس عنترة بن شداد حين قال: 'فَشَككتُ بِالرُمحِ الأَصَمِّ ثِيابَهُ ... لَيسَ الكَريمُ عَلى القَنا بِمُحَرَّمِ'، فأعجبُ كيف يُفني الشجعان أعمارهم في تصوير الطّعان بالقنا، بينما دمشق وحدها تُعلّم الأسِنّة والفرشاة كيف ترسم الخلود بالورد والياسمين!
سَقَى اللَّهُ شَامًا كُلَّمَا ذُكِرَتْ لَنَا
تَنَفَّسَ صَدْرِي بِالنَّسِيمِ وَعَنْبَرِهِ
لطالما أنارتني حكمة الإمام الشافعي حين فصّل في فضل الترحال وطلب المعارف، لكنّ لدمشق معادلةً هندسيةً فريدةً تُعجز أرقام الحساب؛ فالجمال فيها نسقٌ موزون تفيض به الجداول وتستريح عنده العقول الحائرة في خوارزميات الحياة.
سَقَى اللَّهُ جِلِّقَ مِنْ بَلْدَةٍ
وَجَادَ عَلَيْهَا الْحَيَا الْمُنْسَكِبْ
يظنُّ أهلُ الشاشاتِ الزائفةِ أن دمشقَ تُختزلُ في بطاقةِ بريدٍ باهتة، بينما أراها بقلبي جمرةً لا تنطفئ وذاكرةً تأبى التزييف. ذكّرني حنيني إليها بما قاله الأديب الثعالبي حين وصفها: «جَنَّةُ الدُّنْيَا دِمَشْقُ فَإِنْ تَكُنْ... جَنَّةُ الْأُخْرَى فَهَذِي مِثْلُهَا»، وأنا أقولُ له من عُمقِ جراحِنا: بل هي جنّةٌ محاصرةٌ بنيرانِ التاريخ، تصنعُ من رمادِها قيامةً وفجراً لا يراه إلا أولو البصائر.
مَا لِلشَّآمِ تُنَادِينَا فَنَجْهَلُهَا
وَكَيْفَ يَجْهَلُ غَيْثَ الْعَارِضِ الْهَامِي؟