الحب المستحيل
فتحت نهلة نصف عينيها قبل الفجرعلى صوت دقات لا تعرف مصدرها، ومواء حاد مزعج من وراء شرفة الغرفة التى تنام بها والتى تطل على سطوح عمارة مجاورة أقل ارتفاعًا مما جعلها - السطوح- مأوى للقطط، تنهدت نهلة في تلك المرحلة التي تتوسط النوم واليقظة .. منطقة الشفق، ثم جعلت تمضغ طعامًا لاتدرى مصدره ولكنه طعام لذيذ كالذى نأكله جميعًا في أحلامنا، عادت للنوم مرة أخرى ودخلت غرفتها المفضلة غرفة الأحلام ..
كانت تريد استكمال حلم جميل قطعته تلك الصيحات التى أيقظتها، ولكنها لما عادت لم تجد نفس الحلم للأسف بل وجدت حلمًا آخرمختلف .. غضبت غضبًا شديدًا ولعنت كل القطط، لن تستطيع أن تكمل الحلم وضاعت منها نهايته..ترى كيف كانت نهايته ؟
لابد أنها مثيرة وممتعة ..ربما نهاية تقليدية, ولما لم تجد إجابة تنهدت فى ضيق وأخذت تبحث حتى وجدت حلمًا آخر لم يبد لها مألوفا، ربما كان حلمًا مملًا.. ولكن لابأس لن تخسر شيئًا من التجربة، سرعان ما انسجمت فى الحلم الجديد وتركته يأخذها بعيدًا فى عالم من اللون الأزرق الهادئ الذى تعشقه .. كانت ترتدى فستانًا أبيض مثل (أليس) وتسير في جزيرة منعزلة هناك فى الركن الآخرمن العالم، لاتوجد بها أي منازل، فقط أشجار جوز الهند ونخيل كثير، وأشجار أخرى مثمرة بفاكهة لاتعرف اسمها ولكنها لذيذة جدًا، ولم يكن بالجزيرة أي أحد سواها بخلاف بعض الطيور الزرقاء التى تحلق من بعيد .. وطيور أخرى مختلفة الأحجام -لاتذكر أنها رأت أيَّا منها قبل ذلك- تغرد بصوتٍ جميل والبحر يمتد أمامها واسعًا حتى يعانق الأفق فى أنشودةٍ سحرية للون الجمال .. لون السحر والحب .. لون الخيال .. اللون الأزرق
.. ذابت نهلة فى روعة المشهد ثم فجأت اجتاحتها وحشة مقبضة فنظرت حولها بقلق وخوف ..لايوجد أحد.. لاترى أحدًا.. وبينما تتجول فى أنحاء الجزيرة بين أشجارها الملتفة الغزيرة الشبيهة بغابةٍ صغيرة .. تتلفت يمينًا ويسارًا وتبحث أمامها وخلفها لعلها ترى أحدًا ..أى أحد.. وفجأة رأته .. وجدته هناك نازلًا من إحدى الأشجار.. لم تكن تعرفه ولا تعتقد أنها رأته من قبل، ولكنها جرت نحوه كأنما تحبُّه منذ أن ولدت، تأملت قوامه الفارع وذراعيه المفتولتين وصدره الفسيح.. أبحرت بسفائن الشغف فى محيط عينيه العسليتين الواسعتين بامتداد العالم .. ثم وجدت نفسها بين أحضانه الدافئة.. ودون كلمةٍ منه قالت بكل انفعالها وهى تحتضن وجهه بين كفيها :
- أحبك
زاد البريق فى عينيه وخرج دافئًا مع موجة عذبة من صوته الحنون وهو يهمس فى أذنها :
- أعشقك
نسيت كل مخاوفها ووحدتها وهى تريح رأسها فوق كتفه.. نسيت همومها .. نسيت الجزيرة وجمالها وأشجارها.. نسيت حتى اللون الأزرق، وسبحت فى فيض الإحساس الوردى الناعم .. حلقت روحها بنشوة فى أفق الحنان، رقصت على أنغام همس أشواقه الحنون الذى أسرها فنسيت الكون كله ولم تسمع سواه، أصبح العالم كلّه أنشودة من الحب ..كل الكائنات تعزف سيمفونية موسيقية انسجمت معها وراحت ترقص .. تحتضن كفيه وترقص .. فجأة..اقتحم اللحن نغمة منفرة غريبة الوقع .. صوت منخفض يتعالى بتكرار مستفز .. صوت لعين حاد كأنه شيطان خرج من أعماق جهنم ليطردها من جنة الحب, يتعالى الصوت رويدًا رويدًا حتى بدأت تنسحب من حولها الموجودات ويختفى حبيبها المجهول, يتبخر ماء البحر لتحل محله سجادة زرقاء على أرضية الغرفة … وتستيقظ من النوم
بكل ضيق زفرت ومدت يدها للتليفون لتغلق المنبه, لم تكن تريد أن تستيقظ من هذا الحلم الجميل.. حتى الأحلام لا تكتمل و كل هذا بسبب المنبه اللعين ! كادت تغلقه وتعود لتلحق بطائرة أحلامها قبل أن تقلع، ولكنها تذكرت أنها يجب أن تنهض بسرعةٍ كى لايفوتها القطار.. حتى تستطيع الوصول مبكرًا إلى محطة الإسكندرية، ثم إلى مكتبتها العامة حيث تعمل, اعتدلت فى ضيقٍ واندفعت خارج الغرفة فى غضب، فقط لتصطدم أصبع قدمها الصغير فى الباب فتلتهب ألمًا, كادت تنفجر من الغيظ وهى تشعر أنها مظلومة ..كم قاسيةٌ هى الحياة.. ارتدت ملابسها فى عجلة وألقت نظرة سريعة على وجهها المنتفخ من أثر ليلتها المرهقة ونومها المضطرب ..حدقت فى المرآة وتحسرت.. إنها جميلة..تعرف أنها جميلة .. تشعر أنها جميلة .. قالوا عنها إنها جميلة ..تملك عينين بنيتين رائعتين، وبشرة خمرية صافية، وفم صغير شفتاه مضمومتان فى حلاوة، وشعر ناعم كستنائي اللون تحسدها عليه الفتيات .. فلماذا إذن؟ لماذا لايلتفت إليها أحد.. لماذا؟
هبطت من المنزل جريًا وهى تكمل ارتداء فردة حذائها على السلم حتى كادت تقع على وجهها, ألقت بنفسها لاهثة الأنفاس فى أول أوتوبيس في اتجاه محطة القطار ثم وجدت نفسها داخل القطار تجلس على أحد المقاعد يواجهها فى العربة المقابلة مفتوحة الباب وجهٌ تعرفه جيدًا ..وجه يحمل صاحبه عينين عسليتين وقوامًا فارعًا وذراعين قويتين كانتا تحيطان بها منذ ساعة فى جزيرة فى عرض البحر !
إنه هو ..هو الذى رأته فى حلمها, تبسمت له فابتسم ..كادت تنهض لتذهب إليه ولكنها أحجمت وتسمرت مكانها.. إنه دوره.. لقد فتحت له الباب ويجب عليه أن ياتى ليطرقه.. يجب أن يأتي إليها بقدميه .. بحبه وحنانه, يجب أن يحتويها فيزيل خوفها من العالم, تبسمت مرة أخرى وهى تحدق فى كتفه .. تتذكر إنها كانت تضع رأسها على هذا الكتف منذ قليل !..
جاوب بسمتها ببسمةٍ أكبر واستمر سيل البسمات المتبادل بينهما, لم يقطعه سوى صوت محصل التذاكر :
- التذاكر ياحضرات
وقف المحصل يعترض مجال رؤيته فمال برأسه يمينًا ثم رفع يده ليحييها خفية، ارتبكت لجرأته ولم تدر ماذا تفعل؟.. بينما ما زال يشير لها بيده بإصرار .. لقد ترك مرحلة الخفاء وأخذ يلوح لها بامتداد ذراعه أمام الناس ! ..
" يالك من مجنون.. هل تظنُّ أنَّنى لا أراك؟.. كف أيها الأحمق قبل أن نفتضح !.."
إلا أنه لم يتوقف.. وأمام إصراره اضطُرت أن ترفع إصبعًا واحدًا خجِلًا، وما كادت تفعل حتى فاجأها بما كانت تنتظره، نهض من مكانه وجاء ناحيتها فارتبكت ..فرحت.. وانتفضت خجلًا من اللحظة القادمة .. زاد خفقان قلبها حين اقترب وخفضت رأسها للأرض يكاد يغشي عليها، ولما صار بإزائها تمامًا سمعت همس الصوت الحنون الذى داعب أذنيها في حلمها، وأفاض على قلبها سيلا من السعادة , صوت طاف بروحها عوالم الحب في مملكته الزرقاء التي حفظت كل ركنٍ فيها ..هو الآن يحدثها بنفس النبرات ..يعدها بنفس الحنان، يقول في شوقٍ حبيب :
- صباح الخير
وانطلقت الرصاصة من خلفها فانفجرت فى أذنيها حتى كاد يصيبها الصمم :
- صباح الخير
وجلس ..
فى المقعد التالى لها جلس...
خلفها جلس ...
مع واحدة أخرى جلس !
إذن فهو لم يكن يقصدها ببسماته وإشارته، لم يأتِ من أجلها بل من أجل أخرى تجلس خلفها تمامًا، لم يقل صباح الخير لها ..صوته الحنون لم يكن من أجلها, أرادت أن تلقى نفسها من القطارفقد كرهت القطار وكرهته وكرهت نفسها, لماذا يحدث لها هذا دائما.. لماذا .. ؟ كل شئ جميل ينتهى ..لايكتمل..
إنها جميلة..تعرف أنها جميلة .. تشعر أنها جميلة ..قالوا عنها إنها جميلة ..تملك عينين بنيتين رائعتين ، وبشرة خمرية صافية ، وفم صغير شفتاه مضمومتان فى حلاوة، وشعر ناعم كستنائي اللون تحسدها عليه الفتيات فلماذا إذن؟ لماذا لايلتفت إليها أحد.. لماذا ..لماذا ؟
ورنَّ المُنبه مرة أخرى..
#الحب_المستحيل
#مجموعة_قصصية_أنوثة
#عبدالمعز_صفوت
111