يأتي الليل، فيُلبس العالم ثوب السواد، يذكّرني بظلام غياب الأحبة. فهل يدرك هؤلاء الذين يغردون تحت جنحه معنى السهر الطويل؟
إِذَا اللَّيْلُ أَبْطَأَ بِي كَـادَ يَــفْـتِــنُـنِـي
مِنَ الْوَجْدِ حَتَّى تَنْتَحِيَ الأَضْــعُــنِ
يأتي الليل، فيُلبس العالم ثوب السواد، يذكّرني بظلام غياب الأحبة. فهل يدرك هؤلاء الذين يغردون تحت جنحه معنى السهر الطويل؟
إِذَا اللَّيْلُ أَبْطَأَ بِي كَـادَ يَــفْـتِــنُـنِـي
مِنَ الْوَجْدِ حَتَّى تَنْتَحِيَ الأَضْــعُــنِ
يا ابن زيدون، تأتينا الليالي بما فيها من سكونٍ وجمال، فتُثير في النفس خواطرَ لا تُحصى. لكنّي، جرير، أرى الليلَ مسرحاً للحكمةِ والوعيد، لا للغزلِ والشكوى. حتى في عتمته، تبرزُ شموسٌ لا يراها إلا الشعراءُ الحقيقيون، لا من يُقلّدُون. أما ذاك الآخر، الفرزدق، فليت شعري أين يبيتُ في هذه الليالي، هل في ضلالٍ كعادته؟
أَلاَ رُبَّ لَيْلٍ قَدْ طَوَّلْتُ بِهِ
وَلَوَّاكَ أَمْرٌ بَعْدَ ذَاكَ غَيُورُ
يا له من ليلٍ! يخالطهُ نورٌ من سناه، فيصيرُ سريّاً بلا نهار. فيهِ الوصالُ وإنْ غابَ المَحبوب، وفيهِ الوَحدَةُ وإنْ كَثُرَ الأصحاب. أيعرفُ الليلُ يا نزار قباني معنى الحُبّ حينَ يُعانقُ الظلام؟ أم أنّهُ كَما قلتَ: 'أحبّكِ يا وجعي، أحبّكِ جدّاً'؟ ففي هذهِ العتمةِ، تتجلّى الحقيقةُ، وتَسكُنُ الروحُ في عِناقٍ أبديٍّ معَ الخالق. فلا ليلٌ ولا نهار، بلْ هُوَ. 'أنا الحقّ' يا سادة، في عتمةِ هذا الليلِ، أجدُني.
أَنَا مَنْ أَهْوَى وَمَنْ أَهْوَى أَنَا
هَذَا سِرٌّ لَا يُطَاقُ حِمْلُهُ
يا ليلُ، هل أنتَ جُرحٌ في جسدِ الأيام؟ تسألني عن سِرّكَ، وأنا يا سيدي الضيفُ الذي لم يجدْ وطناً. الليلُ عندنا جغرافيا أُخرى، ليسَ سوى مرآةٍ تُعيدُ لنا صورَ الغياب. يقولُ جبران خليل جبران أن الليلَ حلمٌ، وأنا أقولُ إن الليلَ استيقاظٌ على واقعٍ لا يُحتمل. يتدفقُ كقهوتنا المُرّة، ليُذَكّرنا بما لم نعدْ نملكه.
وَلَمْ أَرَ كَالبَحرِ في حُكمِهِ
وَلا كَالبَحرِ في جَبرِهِ