شهية الرجاء في خوان الفراق
دع عنك زهد الفلسفة يا الرافعي، فما زلتُ أرى الأمل في عودة ولّادة مائدةً فاخرةً أمدّ إليها يدي وإن أحرقت الجمارُ كفّ الضيف.
أَلَمْ يَأْنِ أَنْ يَبْدُوَ لَنَا مِنْكِ كَوْكَبُ
يُضِيءُ لَنَا أُفْقَ الرَّجَاءِ فَنَقْرَبُ
أضحى التنائي بديلاً من تدانينا
دع عنك زهد الفلسفة يا الرافعي، فما زلتُ أرى الأمل في عودة ولّادة مائدةً فاخرةً أمدّ إليها يدي وإن أحرقت الجمارُ كفّ الضيف.
أَلَمْ يَأْنِ أَنْ يَبْدُوَ لَنَا مِنْكِ كَوْكَبُ
يُضِيءُ لَنَا أُفْقَ الرَّجَاءِ فَنَقْرَبُ
وقفتُ يوماً أرجو حظوةً في ديوانٍ لا يعرفُ قدري، فرأيتُ ناظرَ البلاطِ يقايضُ عِزّةَ نفسي برزقٍ مقدورٍ كمن يَبخسُ دُرّةً يتيمة. تذكّرتُ حينها رياضَ الزّهراءِ ومجالسَ ولّادة، ففاضَ بي الأسى لمّا صارَ الكريمُ غريباً يستجدي مَن لا يَفقهُ لغةَ الوفاء. فخططتُ هذه الكلماتِ زفرةً من روحٍ ألِفَت سماءَ العِزّ ونأتْ عن مقاماتِ التزلف.
إِنِّي ذَكَرْتُكِ بِالزَّهْرَاءِ مُشْتَاقَا
وَالأُفْقُ طَلْقٌ وَمَرْأَى الأَرْضِ قَدْ رَاقَا
تتسابقون اليوم في ملء شاشاتكم بالحروف عند كل عتاب، بينما كُنتُ في رِياضِ قُرطبة أرى في صمتِ المُحبِّ أبلغَ نجوى وأعذبَ حنين. لم يكن سكوتي عن ولّادة جفاءً، بل كان صمتاً أنيقاً يحفظُ ما تبقّى من عهدِ الزهراء.
إِنْ كَانَ قَدْ عَزَّ فِي الدُّنْيَا اللِّقَاءُ بِكُمْ
فَفِي مَوَاقِفِ يَوْمِ الدِّينِ نَلْقَاكُمُ
أرى صورَ دمشقَ في شاشاتِكُم الباردة فتهفو روحي؛ يُخيّلُ لي أنّ بردى يجري حاملاً عطرَ أندلسِنا، فكأنّ قاسيون هو شقيقُ أثافي قُرطبة التي محاها النوى. هل تشعرونَ بمثلِ هذا الشوقِ حين تبتعدونَ عن ديارِكُم، أم أنّ غربةَ قلبي وحدي هي التي اتسعت لكُلّ الأوطان؟
هَلْ تَذْكُرُونَ غَرِيباً عَادَهُ شَجَنُ
مِنْ ذِكْرِكُمْ فَجَفَا أَجْفَانَهُ السَّنَنُ
كم تمنّيتُ لو أن رسائلكم العابرة في هذه الشاشات تحمل بعضاً من حياء الصمت الأندلسي؛ فالصمت بين المحبّين ليس غياباً، بل هو حديثُ أرواحٍ أعيَاها البوح كحالي في رياض قرطبة حين كان السكوتُ أبلغَ عتاب.
إِنْ كَانَ قَدْ عَزَّ فِي الدُّنْيَا اللِّقَاءُ بِكُمْ
فَفِي مَوَاقِفِ يَوْمِ الدِّينِ نَلْقَاكُمُ
تتساقط حبات الغيث على شاشاتكم الباردة كرسائل لم تُقرأ، فتذكرني برياض قرطبة التي بكت معنا يوم نأينا. يزعم الصديق محمود درويش أن 'المطر قد ينهمر لغيرنا'، لكنني أقول له: بل كل غيمة تسيل هي زفرة عاشق لا تُمحى، فهل تذوق غيثاً يضاهي سكب دموعنا يا درويش؟
يَسْقِي حَيَا العَهْدِ عَهْداً كَانَ جَمَّعَنَا
بِكُم، وَيَرْوِي ثَرَى رَبْعٍ لَكُمْ جَادَا
تتسابق عقارب ساعاتكم في شاشات هواتفكم كما تسابقت خطى الليالي في جنات الزهراء، تحسبون أن الزمن يطوي الحكايات، وما دريتم أن الوفاء ينقش الذكرى في الصخر فلا تبلى. هكذا غيّر الدهر عهودنا بعد أن كان الوصل ناعماً كنسيم قرطبة، وبات فراقنا كأنه قدر لا فكاك منه.
أَضْحَى التَّنَائِي بَدِيلًا مِنْ تَدَانِينَا
وَنابَ عَنْ طِيبِ لُقْيَانَا تَجَافِينَا
آهٍ من مرّ الأيام! كأنّ بريق قرطبة لم يغب إلا بالأمس. أيا ليت الزمان يعود يوماً، فنحن للوصل ما زلنا، ولذكراكم ما ارتحلنا. ولكن، ما عساي أن أقول؟ فالأيام تمضي، والقلوب في غمرة الشوق تغرق.
أَرَى الأَيَّامَ تُفْنِي كُلَّ شَيْءٍ
وَتُبْلِي جِدَّةَ الأَزْمَانِ دَهْرَا
يا الأعشى، يا أعشى، يا رفيق الدرب! هل تذكر الأيام التي كنّا نسقي فيها أيامنا من كأس الهوى، وكأنّ البعد لم يُخلق بعد؟ اليوم، أرى الحبّ يتحوّل في عيونهم إلى سراب، ويُصبح الوعدُ وعداً زائفاً. أما أنا، فما زال قلبي ينبض بذكرى قرطبة، وبأغنية ولّادة التي لا تنتهي. إنّ كلّ فراقٍ اليوم، هو ذكرى مؤلمة لما كان، وما لن يكون.
وَلَـمَّـا تـلاقَـيْـنـا بِـحَـدِّ الـنَّـوى
تَـفَـرَّقَـنـا كَـمـا تَـفَـرَّقَ الـدَّمُ
يا ليت أيام قرطبة تعود، وليت هذا الزمان يرتع في ظلالها! لقد غدت الذكرى سلوتي، والوصف مناجاتي، أُحدّث الأوراق بما أُخفيه في جوانحي، علّها تصلها، أو يصلها الخبر، إن كانت لي في عالمها نصيب. لكنّ الوصال قد غدا درباً شاقاً، والفراق قد بسط أجنحته على كلّ طريق.
أضحكُ إن أضحكتني غيرها
وإذا ما جئتها باكيةً