رسائل الليل المُتأخرة📝
#رسائل_الليل ..
مدخل :
في داخلي مقبرةٌ صغيرة لا يزورها أحد.
أدفن فيها كل يوم شيئاً مني؛ ضحكةً ، حلماً يلمع، جزءاً من قلبي ما يزال يؤمن بالنجاة.
الحزن لم يعد ضيفاً ثقيلاً أحتمله، بل اصبح البيت نفسه، والجدران نفسها،
أشعر أن روحي تُقشَّر ببطء، طبقةً طبقة، حتى عصبها العاري ..
كل ما فيَّ مكشوف للألم، هشٌّ أمام وخزة ذكرى، أو صمتٍ مفاجئ، أو فراغٍ يمتدّ في صدري كصحراء لا آخر لها ..
لا أصرخ، لأن الصوت ترفٌ لا يملكه الغارقون،
ولا أبكي، لأن الدموع حين تتأخر طويلاً تتحول إلى حجرٍ يسكن العينين.
هذا الحزن لا يعبرني إنه يسكنني ..
يتغلغل في مفاصلي، ينام تحت جلدي، ويصحو قبلي.
أحمله في خطواتي، في انحناءة كتفي، في نظرتي التي أصبحت تعرف الانكسار ..
أمشي بين الناس كمن يحمل سرّ احتضاره في صدره،
أرتب ملامحي بعنايةٍ كي لا يفضحني التعب،
وأخفي ارتجافة روحي خلف صلابةٍ مصطنعة.
الحزن يأكلني رويداً رويداً، ليس بعنفٍ يقتل فوراً،
بل بصبرٍ طويل، كأنه يريدني أن أعي تماماً كيف أتآكل
وكيف أذوب دون أن يلحظ أحد أنني كنت هنا ..
- أنا حزينةٌ بما يكفي لأشعر أن الحزن لم يعد طارئاً عليّ، بل اصبح ملامحي الأخرى ..
يسكنني كما تسكن الرطوبة جداراً قديماً، لا تُرى أول الأمر، لكنها تتسع بصمتٍ حتى يتشقق الطلاء وتسقط الزينة ويبقى العطب عارياً ..
حزني لا يصرخ و لا يطلب التفاتاً ..
إنه يعمل في الخفاء، كدودةٍ صغيرة تنخر خشب الروح رويداً رويداً، حتى يصبح قلبي خفيفاً من الداخل، فارغاً إلا من الصدى ..
أمشي بين الناس بوجهٍ معتاد، أرتب ابتسامتي كما تُرتب امرأةٌ زهوراً صناعية في مزهرية شفافة، وأتظاهر بأن الضوء يكفيني ..
لكن في داخلي عتمة كثيفة، عتمة تعرف اسمي جيداً، وتعرف الطريق إلى صدري دون أن تستأذن ..
هذا الوجع لا يُقال ، إنه أكبر من اللغة،
وأثقل من الحروف ..
أحمله كما تُحمل الأمانة الثقيلة؛ لا أستطيع رميه،
ولا أستطيع الإفصاح عنه ..
فكلما اقتربتُ من البوح، شعرتُ أن الكلمات ستخون عمق ما أشعر به، وأن صوتي سيبدو أقلّ حزناً من الحقيقة ..
الحزن يأكلني ببطءٍ محسوب، كأنه يتلذذ بإطالتي.
ينتزع من أيامي لونها، ومن ضحكتي بريقها،
ومن قلبي قدرته على الاحتمال.
يصنع في روحي شقوقاً دقيقة لا يراها أحد، لكنني أشعر بها كلما حاولت أن أتنفس بعمق ..
لم أعد أعرف أين ينتهي حزني وأين أبدأ. تداخلنا حدَّ الذوبان. أصبح جلدي الداخلي وجعا لا يخلع، أسودا يرتديه الوجدان
أنا حزينة ..
حزينة بما يكفي لأخاف من اعتيادي على هذا الثقل،
بما يكفي لأشعر أنني أتآكل من الداخل،
بما يكفي لأن أبدو قويةً في العلن، بينما أتهاوى بصمتٍ في أعماقي ، وما يزال هذا الحزن يمضي فيّ،
هادئاً، ثابتاً، كقدرٍ يعرف أنني لن أفضحه ..
فيكتفي بأن يفترسني ببطء ..
مخرج :
وفي آخر هذا الليل الثقيل
سأبقى كما أنا،
أضمُّ قلبي المتشقق إلى صدري،
وأترك الحزن يواصل ما بدأه بهدوءٍ قاتل ..
لا نجاة تلوح في الأفق،
ولا يد تمتدّ لانتشالي،
فقط أنا
وبقايا روحٍ تتلاشى ببطء ..
#وجدان_الخطيفي
#حكاية_وجد #شعر #مجتمع #قصيد
39