الرسالة الثانية لمحمود درويش..من كتابي ثلاثون رسالة لدرويش.
(من فوق أنقاض الوطن)
بيني وبينك خطوتان
ألا تحسُّ ؟
ألا ترى ؟
يا قائد الحزن المعتّق يا سماء المرهقين
يا لوحةً للمهتدين إلی الضلال
الهاربين من الشموس الغارقين
بأمنيات لم ولن تلقى بها صرحاً ممردَ
من بريقٍ
أو قواريرٍ.. ولن تلقَ بها أحلامْ
هذا السكون الآن أسكنه لوحدي
لم أجد سطح المدينة يحتويني
لم أرَ العنقاء..
تعبر من طريق النيل ناحية الشمال!
ولم أجد لخُطى الملائك أي وقعٍ في الظلام
فهل غدا كل الذي قالوه يا درويش في المعنى
حرام؟
وهل أنا
وحدي هنا
آمنتُ بالعينين!
أو ربما كان ازرقاق البحر بالسماوات
من مليون عام ..
الآن أرجع نظرتي فيما رأيته كرّتين
وأعود منها خاسئاً تعِساً حسير .
يا "نون" يا قلمي الذي لم ينتهِ أبداً عن السطر الأخير
فلتخبرين "الواو" عن سرٍ لبعدك لم يزل
للآن حبلاً من مسدْ
يا "جيم" ، أين بريق "اللام" من عينيك إذ جاء الشتاء
وأسقط الأحلام مني في دهاليز الحنين
وفي زوايا الصمت لما
يحتويك صدى السنين ...
يا "لام" ، إنّ "الياء" معطوفٌ علی أوجاعهِ
والليل أخضر ليّناً ،
هو ليس أسود مثلما تتوهمين
لربما قد كان أزرق في عيونك وانطفى
يا أنتَ يا "أَلِفْ" التعاسة بعدما انتحرت شموس الانتظار .
"الدال" مشنوقٌ هناك
بأول الكلمات من شفتيك.
درويش قل لي :
هل يعود الآن في هذا الشتاء عذابنا ، هل تولد الأوقات أشعاراً حزينة ؟
وبريق سمراء القوافي في هدير الصمت تغرقه المدينة !
والموت يقبع في طريق العائدين إلی الخريف ليحتفي بنهاية الشعراء
وأنا وأنت سنلتقي بنهاية مغلوبة الجنبات
تغشاها الهزائم ..
لكنما قد كنتَ وحدك واقفاً في الليل في سطح المدينة
وأنا لوحدي لم أجد حتى المدينة كي أقف في سطحها ..
دافعتَ وحدك عن هواءٍ ليس لك
وعن جدارٍ ليس لك
وعن حنينٍ في المتاهةٍ يقتلك
وأنا فتىً في القعر من هذي المدينة قد هَلَك .
في ذات لحنٍ مر بامرأة العزيز
فأشعلت سِجارةً زرقاء واحترقت بها لغتي
وطار من أعيانها بعض الدخان وأقبلت قبل الفَلَك
ودنت وقالت : هيتَ لك ..
وأبی النبيُّ
وقدّت البلهاء أوجان الصباح
وصاح
أبناء العزيزة إنه لمن الذين أتوا بسوءٍ
للديار .
ذبل المكان ولم يعد للشرق وجهك مطلقاً
والغرب يحمل في المساء قصيدة كي يشرقا
لا لم يساوِ شكسبير الغرب منّك شعرةً
أو منطقاً..
يا سيد الكلمات
والإلقاء يا وجه اللغات
ويا تعابير الغيوم ويا نبي الأغنيات
يا سيد الكلمات : رقم بطاقتي ها لم يعد خمسين ألف ، وليس أطفالي ثمانية!! بدونما طفلٍ ولا امرأةٍ
ولا صبحٍ رقيق.
أدركت إنك لم تراهم بعد هذا البعد كم صاروا بأروقة المقابر
حتى الثلاثة حين عادوا لم يصل منهم أحد
الأب مات بسكتةٍ عربيةٍ
والبنت أدركها المغول
والجندي المغدور لم يجد المروءة في الفرار
فـ قاتل الأعداء حتى صار أشلاءً وطار .
يا أنت... يا صوتي
ويا وجعي الأنيق
وغربتي وقصيدتي
هلّا تقف بي في المتاه الطَلْق
حتى نستعيد الحزن من عين المشارق
والمغارب . فلقد أتى حينٌ من الأحلام أن نرتاد
هامات الكواكب
درويش يا وطناً من الأحلام تاه
بحزنهِ حول العوالم كلها .
قف بي قليلاً
قف هنا
وامدد حنيناً من حنينك كي ترى هذا الذي
مني غدا
قاتلت يا درويش عن حلمي ففات على الطريق
وأضمرت تلك التي مرت على نبض الفؤاد
هواجساً شتى لأيامي وعمري
ولقيتُ طعنة من أحبّه وسط صدري
من كل فجٍ قد أتى يا صاح ليل المنهكين .
بيني وبينك خطوتان
ألا استدرت ؟ لكي ترى هذا الركام
لكي توقّع محضر الحزن الأخير ..
وتستبين .